lang.HOME http://ayn-almadina.com/ ar 2019-03-24T01:35:35 ‏‫الإقامة في «عُقاب الهيئة» المأجور‬‬ http://ayn-almadina.com/details/4746/4746/ar 4746 date2019-02-01 09:55:39 ayn-almadina في ربيع العام 2017 اعتقلت "هيئة تحرير الشام" في إدلب أبو ياسين (أحد أبناء ريف دمشق) وزجته لأربعة أشهر في سجنها الشهير "العُقاب". وعن تلك الواقعة وما عايشه خلالها وعرفه بفعل احتكاكه بمعتقلين آخرين عن السجن وكيفية تعامل السجانين وطر...
‏‫الإقامة في «عُقاب الهيئة» المأجور‬‬

‏‫الإقامة في «عُقاب الهيئة» المأجور‬‬

رادار المدينة

في ربيع العام 2017 اعتقلت "هيئة تحرير الشام" في إدلب أبو ياسين (أحد أبناء ريف دمشق) وزجته لأربعة أشهر في سجنها الشهير "العُقاب". وعن تلك الواقعة وما عايشه خلالها وعرفه بفعل احتكاكه بمعتقلين آخرين عن السجن وكيفية تعامل السجانين وطرق التعذيب والاستجواب، تحدث الرجل الخمسيني لعين المدينة بتفاصيل تنشرها المجلة كشهادة شخصية تدخّل الكاتب وهيئة التحرير في ترتيبها ونقلها إلى لغة أكثر تداولاً واختزال أجزاء منها لاعتبارات النشر.

يُنظر عادة إلى العقاب كسجن أمني رهيب خاص بهيئة تحرير الشام في الشمال السوري، دون التوقف عند كونه سلسلة من السجون وليس سجناً واحداً، بلغ عددها أربعة عشر هي عبارة عن 11 مدجنة هجرها أصحابها أثناء اشتداد وتيرة المعارك والقصف المكثف على قراهم في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، في الطرق الجبلية الواصلة بين البارة- كفرنبل، واحسم- دير سنبل؛ إضافة إلى 3 مغاور تم تجهيزها خلال فترة قصيرة جداً لتصبح بمثابة الأفرع الأمنية التابعة للهيئة، في محاكاة واضحة للأفرع الأمنية الخاصة بنظام الأسد، كما يُنظر إليها محلياً، وتبقى مغارة كنصفرة السجن الرئيسي الأخطر والأكثر تشديداً بالنسبة إلى الهيئة ومعتقليها.

ولا يقتصر سجن العقاب على أسرى قوات النظام أو الخلايا التابعة لتنظيم داعش، كما يشيع في أوساط قريبة من الهيئة أو في عموم الشمال السوري، ولا حتى على الإعلاميين والناشطين المناهضين لفكر الهيئة القاعدي، فلأبو ياسين قصة أخرى عن سبب اعتقاله تشي بوجود معتقلين جنائيين بين جدران السجن، لكن ربما ضمن وضعيات خاصة أو منازعات تتدخل في مجراها مكانة الأطراف الأخرى في النزاع.

يعيد أبو ياسين سبب اعتقاله إلى خلاف مالي/ شخصي مع أحد أمراء الهيئة (جبهة النصرة سابقاً) في ريف دمشق، "بعمري لا حملت سلاح ولا انضميت لفصيل، وهاتفي ما بينزل عليه فيسبوك، لك حتى اسمي ما بعرف اكتبو" يقول أبو ياسين الذي يسرد حكاية استدانة أحد أمراء هيئة تحرير الشام منه مبلغاً مالياً في ريف القنيطرة، "تربطني به معرفة شخصية منذ زمن بعيد، وهو المسؤول عن تأمين ما كنت أقوم بنقله إلى ريف دمشق من أدوية ومعدات وذخائر وغيرها، قال لي إنه ينوي شراء مستلزمات لأنقلها عند عودتي وينقصه 7000 دولار وطلب مني تأمينها كـدين، وبالفعل جلبت المبلغ". ويتابع "حتى جاء وقت تهجيرنا نحو محافظة إدلب مطلع عام 2017، وقتها أحالني إلى أحد أبناء بلدتي لتحصيل الدين عوضاً عن المبلغ الذي استدانه الأمير، وبالفعل استطعت تحصيل 5000 دولار منه".

بعد وصوله إلى إدلب بثلاثة أشهر، وحين لم يكن يضع في حسبانه ما يُبيّت له بشأن المبلغ المالي، وصل رتل مؤلف من خمسة سيارات "بيك آب" بينها اثنتان تحملان رشاشات ثقيلة برفقة نحو ثلاثين عنصراً ملثماً بسلاحهم الكامل لاقتحام منزله، "اقتحموا بيتي بدون ما يدقوا الباب حتى، وإذا بتشوف الرتل يلي أخدني بتفكر بشار الأسد ساكن بالبيت" يقول أبو ياسين الذي ما زال متأثراً من هول المشهد.

داخل منزل أبو ياسين تولى العناصر المقتحمون تغطية رأسه بقطعة قماشية سوداء تشبه اللثام، واصطحبوه معهم إلى "الموكب الحربي" المنتظر في الخارج، ومنه إلى مكان لم يعرف عنه شيئاً في الأيام العشرة الأولى. يتحدث عن تلك الأيام بالقول "كنت بمنفردة مساحتها متر مربع واحد، لا أرى فيها سوى البوابة الحديدية والحارس الذي تميزه عنها بحركاته، فمهما تحدثت معه أو سألته لا يجيب بأي حرف، ولم أسمع منه طوال تلك الأيام سوى كلمتين فقط "الأكل، وتحقيق".

لكن الأيام اللاحقة أعطته فكرة جيدة عن المكان الذي هو فيه، فصار يعرف أنه مغارة تخنقها الرطوبة، خالية من النظافة، تحوي 26 منفردة مساحة الواحدة منها متر مربع، في كل منها معتقل أو اثنان، و3 جماعيات تصل أبعادها إلى (4*5 متر) في كل واحدة 30-40 سجيناً، عادة ما يكونون من أصحاب القضايا الأمنية، بحسب ما يفصّل أبو ياسين.
ويتابع: "نستيقظ يومياً قبل أذان الفجر حوالي الساعة الرابعة صباحاً، ونبدأ نهارنا بمسح الجدران والتيمم لنؤدي صلاتنا لأنه لا وجود للمياه، نجلس بعدها بانتظار الفطور الذي لا يوزع قبل العاشرة صباحاً. يتألف الفطور من العدس المسلوق ومربى البندورة وزعتر، إضافة لثلاثة أرغفة خبز توزع كل يومين، أما الغداء فيوزع الساعة الرابعة عصراً، ويكون في أغلب الأحيان برغل، وفي المناسبات فريكة أو دجاج".

أما عن التحقيق ووسائل التعذيب فيقول: "يبدأ التحقيق الساعة 12 ليلاً ويستمر حتى الساعة الرابعة فجراً، وكما هو حال معتقلات الأسد، فالضرب والشبح والدولاب وبساط الريح شيء أساسي في العُقاب، ولا يخلوا من بعض الضربات على الوجه والمناطق الحساسة، عدا عن الكلام المهين والتهم الباطلة التي تُوجه للمعتقلين بشكل متكرر". ويضيف باستسلام: "كل هاد مقدور عليه وبتتحملو، بس ما يحطوك بالتابوت ربع ساعة".

"هو وسيلة تعذيب لا تجدها إلا في سجون هيئة تحرير الشام، وربما في العُقاب فقط"، يستطرد. والتابوت مستوعَب من صفائح الحديد المفصلة على هيئة البراد المنزلي، له مقود مثل مقود السفينة لتقريب الصفائح من بعضها البعض وإبعادها، يوضع المعتقل فيها وتضغط الصفائح على جسمه "حتى تسمع صوت عظامه داخلها، وترتبط درجة (العصر) والضغط بالمعتقل وتحمله، لكن من المستحيل خروجه من داخلها قبل الاعتراف بما ينسب إليه، ولو لم يكن على دراية به من قبل".

تعود مسألة التنفس خارج المغارة إلى مزاج أمير السجن، وعادة ما تكون نصف ساعة أسبوعياً فقط، باستثناء وقت زيارة "شرعي" تحرير الشام إلى السجن، حيث يتم إخراج جميع السجناء إلى الخارج لحضور "الدرس الشرعي" وتقديم الشكاوى "إن تجرأ أحدهم على ذلك". ويبقى الدرس قرابة الساعتين لكن بشكل غير منتظم وأوقات متفاوتة.

اعتقل أبو ياسين 4 أشهر قبل إبلاغ عائلته عن مكان وجوده، ولم يخرج من السجن إلا بعد أن أعادوا المبلغ الذي حصّله قبل التهجير من ابن بلدته لأمير السجن. يتذكر أبو ياسين في نهاية حديثه بمرارة وسخرية أن إدارة السجن تفرض مبلغاً مالياً مقابل الإقامة والطعام في سجن العُقاب، بتكلفة 3 آلاف ليرة سورية لليوم الواحد (ما يقارب 6 دولارات) ولا يمكن إخلاء سبيل السجين قبل دفعها.

على أن إخلاء السبيل لا يتم قبل جولة أخرى يمر بها السجين بعد قضاء فترة حكمه أو إثبات براءته في دور القضاء الخاصة بالهيئة، والتي لا يختلف نظامها كثيراً عن نظام العُقاب، بحسب أبو ياسين، حيث يتم نقل السجين بعد إخلاء سبيله من العُقاب إلى دور القضاء في قرية مرعيان بجبل الزاوية أو في مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، والتي لن يخرج منها قبل مدة تتراوح بين الأسبوع والشهر، لكن قياساً بسابقه فإن إدارته تتكفل بمصاريف إقامة السجناء، الذين من الممكن أن تبقى عيونهم مفتوحة في بعض الأحيان، كما يقارن أبو ياسين بتهكم.

]]>
حمل السكاكين.. ظاهرة جديدة تنتشر بين أطفال مدينة اللاذقية ومراهقيها http://ayn-almadina.com/details/4747/4747/ar 4747 date2019-02-02 09:48:17 ayn-almadina تعتبر ظاهرة حمل السكاكين التي تنتشر بكثافة في مدينة اللاذقية الخاضعة لسيطرة قوات النظام من أخطر الظواهر التي باتت تهدد حياة الأطفال والمراهقين في المدينة، فهي الأداة التي تمنحهم الإحساس بالقوة خاصة أوقات الخصومة والمشاجرة. تختلف الأعمار التي ينتشر...
حمل السكاكين.. ظاهرة جديدة تنتشر بين أطفال مدينة اللاذقية ومراهقيها

حمل السكاكين.. ظاهرة جديدة تنتشر بين أطفال مدينة اللاذقية ومراهقيها

رادار المدينة

تعتبر ظاهرة حمل السكاكين التي تنتشر بكثافة في مدينة اللاذقية الخاضعة لسيطرة قوات النظام من أخطر الظواهر التي باتت تهدد حياة الأطفال والمراهقين في المدينة، فهي الأداة التي تمنحهم الإحساس بالقوة خاصة أوقات الخصومة والمشاجرة.

تختلف الأعمار التي ينتشر بينها هذا الأمر لكن أغلبها تتراوح بين 10 و14 سنة، فالأعمار الأكبر تلجأ إلى حمل الأسلحة من خلال التطوع للقتال إلى جانب قوات النظام في إحدى الميليشيات المنتشرة في الساحل كالدفاع الوطني وغيرها، بينما يلجأ الأطفال في الأعمار الصغيرة إلى تقليدهم بحمل السلاح من خلال السكاكين، فمن الطبيعي أن يلاحظ المارة أي طفل يلعب بالسكين أو يضعها على خصره، ويتم اختيارها من خلال شكل محدد ولها أنواع تستخدم لهذه الأمور وتكون قابلة للفتح والتسكير توضع في الجيب أو تعلق على البنطال في منطقة الخصر، يترافق حملها مع عدة أمور كالتدخين أو ارتداء ملابس محددة، أو حتى القيام بوضع وشوم في مناطق مختلفة من الجسم، أو اعتماد تسريحات شعر تدل على شكل هذا الطفل أو أسلوبه ونمطه في الحياة.

عوامل كثيرة تلعب دوراً في انتشار هذه الظاهرة بكثافة، أبرزها الحرب وانعكاس نتائجها على الفئات الأضعف وهم الأطفال، فضلاً عن غياب الأهل في معظم الأحيان أو الآباء تحديداً الذين يعتبرون عامل ضبط أسري/ أخلاقي مهم في المجتمع السوري.

تؤكد سامية عثمان إحدى الشابات في مدينة اللاذقية لعين المدينة، أن هذا الأمر بات طبيعياً ومقبولاً في المجتمع نتيجة الظروف التي يعيشون فيها، فأخوها الذي يبلغ من العمر 12 عاماً لا يخرج من منزله دون السكين، فهي تشكل عامل حماية بالنسبة إليه بحسب رأيها، "فحالات القتل والخطف والسرقة في تزايد داخل المدينة وغياب الأمن يفرض على الناس حماية أنفسهم"، وعائلة سامية تعيش دون الوالد الذي ترك اللاذقية هرباً من الاعتقال، ويجب على أخيهم أن يظهر بمظهر قوي قادر على حمايتهم، كما تشرح.

في حين أن المدرس ياسر (من سكان حي مشروع الصليبة) يختلف تماماً في الرأي معها، ويرى أن الموضوع يدل على تردي الوضع الأخلاقي وسوء الحالة الاجتماعية التي أوصلت الأطفال إلى هذه المرحلة، معتبراً أن هناك تقصير من كافة الجهات، حتى بات الأطفال يشكلون عامل خوف لدى المعلمين، كما يقول، فهم يخشون من قيامهم بارتكاب جرائم قتل أو إيذاء بعضهم البعض، أو حتى الهجوم على مدرسيهم عند حدوث أي موقف يزعجهم.

وتابع أن أغلب الأحياء التي تنتشر فيها هذه الظاهرة هي الأحياء الشعبية والعشوائية، كالرمل الفلسطيني وقنينص والسكنتوري والرمل الشمالي، مشيراً إلى أن هذه الحالات تتواجد في المدارس بشكل كبير وتصل إلى درجة كبيرة من الخطورة، فبعض الطلاب يقومون "بتشطيب أيديهم" (جرح سطحي ذاتي للأذرع باستعمال شفرة حلاقة غالباً بقصد الظهور بمظهر عدائي وترهيب الآخرين)، "وسجلت العديد من الإصابات جراء المشاجرات، ومما يزيد في خطورة الموضوع أنها تكون بين الأطفال بأعمار صغيرة".
غياب المسؤولية

تغيب مسؤولية الشرطة التي لا تبدي اهتماماً يذكر بهذه الظاهرة، طالما ظلت مشغولة بمؤازرة دوريات المخابرات في اعتقال الشبان المطلوبين، وطالما ظلت الظاهرة لا تشكل أي تهديد للسيطرة الأمنية الكاملة للنظام على تلك الأحياء وغيرها؛ وكذلك يغيب دور الأهل والأسرة بسبب غياب الآباء أو الأشقاء الأكبر سناً، بسبب الاعتقال أو مغادرة البلاد أو حتى الانشغال الدائم بالعمل لتأمين سبل المعيشة في ظل ظروف اقتصادية متردية.

يقول الإعلامي شادي العوينة لعين المدينة، إنه في ظل انتشار السلاح ورؤيته من قبل الأطفال في الشوارع بشكل اعتيادي، وخاصة بعد تسليح نظام الأسد لميليشياته والسماح لهم بالتنقل بين الأحياء بأسلحتهم الفردية، جعل من حمل السلاح سهلاً بالنسبة إليهم، خاصة أن "السكاكين التي يقتنيها الأطفال متوفرة بكثرة عند الباعة الجوالين في الشوارع، ما جعل الأمر مدخلاً إلى (عالم الإجرام) الذي يشاهدونه أمامهم مجسّداً، وهناك قصص كثيرة حصلت في مدينة اللاذقية تدلل على ذلك، نظراً لأنها حاضنة لشبيحة النظام بشكل كبير".

وبحسب نشطاء من المدينة، فأن نسبة الأطفال الذين يتوجهون لحمل السكاكين فيها تزيد عن سبعين بالمئة، وينتشرون متسكعين على الأرصفة وأمام أبواب المدارس يحملونها بشكل علني دون خوف أو حذر من أعين الناس أو حتى دوريات الأمن.

]]>
يوماً ما في داريا.. السطو على الأرزاق والحصار من الداخل والجوع الذي عشناه في الحصار http://ayn-almadina.com/details/4748/4748/ar 4748 date2019-02-03 09:09:16 ayn-almadina لم أكن أتوقع ونحن في منتصف العام الثالث للثورة أننا مقبلون على حصار خانق سيطول حتى العام السادس. كان جو الجبهات التي نرابط فيها منغلقاً على نفسه، ولم تكن الساعات القصيرة التي نغادر خلالها جبهة القتال كافية للتعرف على ما يحدث داخل المدينة، لكن عندما ت...
يوماً ما في داريا.. السطو على الأرزاق والحصار من الداخل والجوع الذي عشناه في الحصار

يوماً ما في داريا.. السطو على الأرزاق والحصار من الداخل والجوع الذي عشناه في الحصار

رادار المدينة

لم أكن أتوقع ونحن في منتصف العام الثالث للثورة أننا مقبلون على حصار خانق سيطول حتى العام السادس. كان جو الجبهات التي نرابط فيها منغلقاً على نفسه، ولم تكن الساعات القصيرة التي نغادر خلالها جبهة القتال كافية للتعرف على ما يحدث داخل المدينة، لكن عندما تراخى التزامي بالجبهات بعد فترة وانشغلت بالتغطية الصحفية، أضحى بإمكاني التعرف أكثر على واقع مرير أقسى من المتوقع، فصور الحصار التي نقلت خلال الإعلام لم تكن هي الحقيقة الوحيدة للأسف.

عند الحديث عن حصار داريا الذي بدأ فعلياً مع إغلاق شارع الأربعين بالقرب من مدينة معضمية الشام بدايات العام 2013 وانتهى بإخلاء المدينة في أيلول 2016، أول ما يخطر في بالي تلك الفئة التي باعت واشترت على حساب مئات الجائعين دون أن تحرك المشاهد القاسية للحصار شيئاً من مشاعر الرحمة لديهم؛ كان العشرات يبحثون عن حفنة البرغل والرز أو يكتفون بوجبة الشوربة الصفراء (حفنة من الرز والبهارات وما تبقى عبارة عن ماء) التي كانت توزع يومياً ولمرة واحدة في مطبخ داريا.

خرجت من الجبهة دون أن أحسب أي حساب لموضوع الطعام، فكيس البرغل والإناء الذي يحوي 5 كيلو من السكر و"تنكة" تبقى في أسفلها القليل من السمن- كفيلة بإشباعي لمدة شهر تقريباً. بعد ذلك عانيت كغيري من الجوع الذي لم ينته إلا عند توقيع هدنة معضمية الشام بداية العام 2014 حين سمح النظام بتمرير البضائع إلى المعضمية وحصلت داريا على نصيب وافر من تلك البضاعة طوال العام الرابع للثورة.

خلال الحصار الأول عشنا على أوراق السبانخ والزيتون وبقايا المكدوس الذي كنا نعثر عليه في مطابخ البيوت؛ في إحدى المرات وجدت إناء صغيراً للمعقود بالتين، كانت الحبات القليلة المليئة بالسكر كافية لجلب السعادة لي ولأصدقائي طوال سهرة تلك الليلة. أما قبل الحصارات اللاحقة فكان التجار من المدينتين يشترون البضائع والسلل الغذائية التي سمح النظام بإدخالها إلى المعضمية مرتين، ومع عودة الحصار والجوع كانت أسعار هذه المواد ترتفع بشكل فاحش؛ وصلت السلة الغذائية التي تحوي 25 كيلو من الطعام إلى 90 ألف ليرة، كما تراوح كيلو السكر بين 5 و11 الف ليرة.

و لانشغال غالبية من تبقى في داريا بصد هجمات النظام على جبهات المدينة خلا الجو لآخرين لدخول المنازل والمتاجر ومستودعات الأغذية التي كانت مكتظة بالبضائع، كان لهؤلاء نصيب الأسد في المواد الغذائية الضخمة التي كانت مخزنة في داريا ولم يستطع أصحابها إخراجها إلى أماكن نزوحهم بسبب صعوبة تمريرها على حواجز النظام. منذ الأيام الأولى للحملة العسكرية واظب "أبو علي" على دخول منازل جيرانه والمحلات التجارية القريبة من منزله، تمكن الكهل الذي تجاوز 50 سنة من جمع عدة أطنان من المواد الغذائية المكونة من السكر والطحين والبرغل والرز وغيرها؛ مع اشتداد الحصار امتلك أبو علي ثروة غذائية لا تقدر بثمن. عشرات المدنيين تمكنوا من استنساخ تجربة الرجل ليشكل أبو علي وأمثاله ممن يتصفون بالجشع و يجلسون على أطنان من الغذاء النواة الأولى لتجار الحروب.

كان تمشيط المنازل والمتاجر السمة العامة في داريا خلال السنة الأولى للحملة: مقاتلون يبحثون عن طعام أو ملابس، مدنيون يتوغلون في خصوصيات السكان الفارين من الموت والذين استقر بهم المقام خارج المدينة في المدن والبلدات المجاورة.. العديد منهم وجد أغراضاً ثمينة مثل النقود والذهب والمجوهرات، بعضهم تركها في مكانها أو أعطاها لقائد فصيله كي يسلمها لمكتب الأمن المشكل حديثاً وقتها، بينما دخلت معظم هذه الأشياء الثمينة جيوب من وجدها دون أي شعور بوخز الضمير. هناك حكايا من نوع آخر عن فلانة التي أعطت "أمانة" لجارتها قبل خروج عائلتها الى الحرجلة تنفيذاً لاتفاق إخلاء داريا في العام 2016 ثم فقدت الوصول إليها.. تكرر نفس المشهد في تلك الفترة عدة مرات.

لم يقتصر احتكار الطعام على المدنيين أو الأفراد من المقاتلين بل شاركت الفصائل المقاتلة بمثل هذه التجاوزات؛ الكتيبة التي يديرها أبو وائل حبيب تمكنت من جمع كميات كبيرة من الطعام حين مكنها الموقع الذي كانت ترابط فيه -المليء بالأبنية والمستودعات- من الحصول على مواد غذائية كثيرة، في حين كان أبو سلمو (قائد كتيبة أخرى) ومقاتلوه الذين يتجاوزون 300 مقاتلاً في تلك الفترة يأكلون وجبة واحدة في اليوم مكونة من بعض البرغل أو الرز وسلطة من الأعشاب كالسبانخ والسلق.

NewsDeeply

قررت أن أطلب كيلو واحد من الحبوب من أحد المقاتلين الذين يتبعون لكتيبة "شهداء داريا"، لعدم وجود أي طعام في مطبخي، لكن طلبي قوبل باعتذار خجول بحجة أنه سيسأل "أبو وائل" قائد الكتيبة إن كان المقاتل مخولاً بتزويدي بالكمية المطلوبة. في حالة أخرى كنت أعلم أن أحدهم يخزن في بيته كمية لا بأس بها من الطعام، بل كان يتاجر ببعضها (كيلو الرز أو البرغل ب3500 ليرة. السكر ب 5000 ليرة) ذهبت إليه على استحياء وطلبت مقداراً بسيطاً من الطعام، فكانت إجابته حاضرة على الفور "ليس لدي طعام.. أدبر نفسي بصعوبة بالغة" وانتهى هذا اللقاء بخاتمة كانت صعبة على نفسي "تعال في المساء لنتعشى معاً".

عشت وزوجتي على نبتة "البقلة" فقط لا غير لمدة ثلاثة أيام، كنا نقطعها ونضع عليها الزيت ونأكلها، أقسى ما مر معنا كان نفاد ملح الطعام: لو حصل الإنسان على طحين أو برغل فلن يجد أي رشة ملح، كان ذلك كافياً لجعل حياة الحصار أقرب إلى الجحيم… توفر في الأسواق ملح أسود اللون فاشتريت أوقية ب 1000 ليرة وهرولت إلى البيت، لقد حصلت على الملح! وضعناه مع الشوربة وبدأنا بتناول الطعام. كان المشهد أقسى هذه المرة، فقد امتلأ الملح بمادة المازوت ما جعل مذاق الشوربة لا يطاق. (عرفت لاحقاً أن أحدهم عثر على كمية الملح في فرن يعمل على المازوت وباعه في السوق).

العامان الخامس والسادس كانا قاسيين على داريا وعلى معضمية الشام، فقد تعثرت الهدنة وفرض النظام حظراً على دخول الطعام إلا لبضعة أشهر قليلة، ما تسبب بأزمة جوع كبيرة في المدينتين؛ في الحقيقة جاعت المعضمية أكثر من داريا، مكنت لي إقامتي في المعضمية وقتها من التأكد من هذه المعلومة: كانت المعضمية تضم أكثر من 30 ألف نسمة، بينما لا يتجاوز تعداد سكان داريا 3 أو 4 آلاف.

عانى سكان المعضمية من الفقر لقلة فرص العمل وتوقف جزء كبير من الدعم عن المجلس المحلي للمعضمية والهيئات الثورية، في المقابل أدخلت الحملات السنوية التي كان يطلقها المجلس المحلي لداريا مثل "داريا حكاية أمل" و"داريا صمود ثورة" مئات آلاف الدولارات، إضافة للدعم العسكري والإغاثي اللذين لم ينقطعا أبداً؛ هذه الأموال جعلت كميات كبيرة من البضائع التي تدخل إلى المعضمية تتابع طريقها إلى داريا والمبالغ الكبيرة التي كانت تدفعها داريا للتجار رفعت الأسعار في المعضمية؛ ربما لهذا السبب كان سكانها في تلك المرحلة يطلقون لقب "الخليجيين" على من تبقى في داريا.

ليس نادراً أن ترى شباناً أقوياء مفتولي العضلات يقعون على الأرض من شدة الجوع؛ بعض الأطفال وكبار السن كانوا على وشك الموت بسبب سوء التغذية أو تعرضهم للجفاف. في المعضمية كان المشهد أقسى، خصوصاً خلال الحصار الأخير؛ كنت أشاهد الناس يمشون في الشوارع كأنهم هياكل عظمية أو مومياءات؛ كان الطعام هو الهاجس الوحيد للسكان… نشط عمل تجار الحروب في تلك المرحلة، كان جشعهم لا يعرف الاكتفاء، والحجة دائماً "داريا" إنها تدفع أكثر. "لقد أتى أحد الأشخاص من داريا واشترى جميع السلل الغذائية بسعر ممتاز" يقول تاجر الغذائيات المعروف بكيكي رداً على طلب أحد زبائنه شراء السكر والمواد الغذائية الأخرى.

أما تجارة الدخان كانت أكبر تجارة رابحة استطاع البعض من خلالها تحقيق ثروة ضخمة، كان الدخان يهرّب من نقاط جبهتي الأربعين والأثرية من جهة معضمية الشام، ثم يدخل إلى داريا عن طريق التجار. تداول الناس حكايات كثيرة حول تعامل بعض القادة العسكريين من أبناء المعضمية مع عساكر النظام التي كانت تطلب المواد الغذائية (معظمها قادم من داريا) مقابل تمرير كراتين التبغ.

]]>
«أنتم المهاجرون ونحن الأنصار» إلى متى ستصمد؟ http://ayn-almadina.com/details/4749/4749/ar 4749 date2019-02-03 09:20:02 ayn-almadina انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يعود لمسؤول في حزب العدالة والتنمية التركي ينتقد فيه تصرف شبان سوريين آثروا الاحتفال بقدوم العام الجديد مهللين باسم سوريا، رافعين علم الثورة في ساحة تقسيم بإسطنبول، وبنبرة حادة طالب المسؤول خلال الفيديو السوريي...
«أنتم المهاجرون ونحن الأنصار» إلى متى ستصمد؟

«أنتم المهاجرون ونحن الأنصار» إلى متى ستصمد؟

رأي

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يعود لمسؤول في حزب العدالة والتنمية التركي ينتقد فيه تصرف شبان سوريين آثروا الاحتفال بقدوم العام الجديد مهللين باسم سوريا، رافعين علم الثورة في ساحة تقسيم بإسطنبول، وبنبرة حادة طالب المسؤول خلال الفيديو السوريين بالذود عن بلدهم، مختتماً حديثه بإهانة.

مشهد انتقاد أنصار الحزب الحاكم في تركيا للوجود السوري بات مألوفاً، فمنذ بضعة أشهر أثار أحد نواب البرلمان التركي غضب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من سؤاله عن إمكانية ذهاب السوريين إلى مدنهم خلال فترة العيد وعودتهم إلى تركيا، ما يعني بالضرورة أن الوضع آمن والعودة ممكنة! "لكن جملة الرئيس الشهيرة: "هم المهاجرون ونحن الأنصار" كانت الرد، فهل ستبقى هذه المقولة درعاُ يحمي السوريين وتلاقي آذاناً صاغية لدى أنصار الرئيس التركي؟

المشكلات التي تحولت إلى أزمات متفاقمة، متلاحقة، بات يتسع نطاقها، ليتحمل السوريون موت عدد من الجنود الأتراك في معارك درع الفرات وغصن الزيتون، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وتراجع قيمة العملة المحلية، والأزمات الاقتصادية التي عصفت بالليرة التركية، وازدياد "نسبة البطالة"؛ بل أصبح همّ اللاجئين السوريين أن يثبتوا للأتراك أن الدولة لا تقدم لهم "البيوت والكهرباء والفحم والغذاء والرواتب الشهرية"، والتي تجذّرت في فكر عدد ليس بقليل منهم، ناهيك عن تحمل موجات الغضب إثر كل حادثة، وما ينجم عنها من اعتداءات على الأشخاص والمحال التجارية.

الأصوات الداعية لعودة السوريين إلى بلادهم بدأت تجد طريقها، ليس على الصعيد الشعبي فحسب، بل من خلال بعض المسؤولين والأحزاب، الذين عكفوا على دراسة واقع السوريين، والبحث في أدق تفاصيلهم -حتى الأخطاء الفردية- وتصديرها لوسائل الإعلام كوسيلة ضغط على الحكومة: منها منح الجنسية التركية وارتفاع معدل الولادات وزيادة ظاهرة التسول والجرائم، والتي دأب المسؤولون في الحكومة التركية على إيضاحها، دون جدوى، أمام اصطدامهم بوجهات نظر مغايرة تجد آذان صاغية لدى شرائح واسعة من الشعب التركي.  

ساهم في ذلك عاملان، الأول تزايد الحديث عن إعادة الإعمار والاستقرار في المنطقة، بعد سيطرة النظام على كثير من المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته، ومؤتمرات (الحل) التي كان لتركيا دوراً بارزاً فيها، سواء سوتشي أو أستانة، والتقارير الإعلامية الكثيفة التي تتحدث عن عودة الحياة إلى المدن السورية. والثاني هو  الضغط الناجم عن استعمال ورقة اللاجئين السوريين من قبل أحزاب المعارضة التركية في حملاتها الانتخابية المختلفة.

واليوم، ومع استعدادات الأحزاب المختلفة لخوض الانتخابات البلدية، يثار الجدل مجدداً في قضية تجنيس السوريين، والأثر الذي تحدثه مشاركة المجنسين منهم في نتائج التصويت بهذه الانتخابات، فيما يسعى حزب العدالة والتنمية لإثبات هامشية ما تشكله اصوات المجنسين، بعرض البيانات الخاصة بأعدادهم وخرائط انتشارهم في الولايات التركية المختلفة.  

وكان تصريح وزير الخارجية التركية مولود أوغلو أن تركيا "ستدرس بشكل رسمي العمل مع الرئيس السوري بشار الأسد" وجبة دسمة تناولتها الصحف التركية المعارضة والبرامج الصباحية بشراهة المتعطش إلى حل، وأسكنت تذمر البعض من أنصار الحزب الحاكم. تصريح أوغلو المشروط بانتخابات ديمقراطية لاختيار الأسد كرئيس رآه السوريون استدارة تركية للثورة السورية، لكن الملاحظ على مدى السنوات السبع العجاف أن ما وعدت به أنقرة اللاجئين السوريين على أراضيها قد تم تنفيذه.. كان آخرها المنطقة الآمنة وآلية عودة السوريين تدريجياً إلى بلادهم.

شريط الأخبار العاجل في زمنه لم يأتِ بجديد في الموقف التركي حيال سوريا، فأردوغان حسم موقف بلاده أن (لا حوار مع النظام)، وإن بقي الأسد فلا طرف له في تقرير مستقبل سوريا، وعودة السوريين مرهونة بالمنطقة الآمنة التي قال عنها "إن لم تؤسس المنطقة الآمنة، نحن سنقيمها".

قد يكون الحوار التركي السوري محتمل، لكن جرائم النظام وتهجير السكان والتغيير الديمغرافي الذي أحدثه في البلاد لن يذيب جليد العلاقات التركية السورية، فمقولة "نحن الأنصار" تثبت أن تركيا، ورغم كل الأصوات الرافضة لوجودهم ، كانت البلد الأفضل من بلدان الجوار الذي احتضن اللاجئين السوريين.

]]>
دير الزور العاصية.. تشفّي الانتقام وشيفرة المهابيل http://ayn-almadina.com/details/4750/4750/ar 4750 date2019-02-05 18:56:07 ayn-almadina تتيح الحياة المدينية بصورة عامة توليفات تراكمية للمواقف الاجتماعية من السلطة، وفي العموم يعمل الحوض المديني على إنتاج -وإعادة إنتاج- آليات اجتماعية تقوم بدور الوسائط التفسيرية لما يضمره العام المفتوح تجاه الخاص والمغلق في دوائر أعلى هرم السلطة أو الح...
دير الزور العاصية.. تشفّي الانتقام وشيفرة المهابيل

دير الزور العاصية.. تشفّي الانتقام وشيفرة المهابيل

رأي

تتيح الحياة المدينية بصورة عامة توليفات تراكمية للمواقف الاجتماعية من السلطة، وفي العموم يعمل الحوض المديني على إنتاج -وإعادة إنتاج- آليات اجتماعية تقوم بدور الوسائط التفسيرية لما يضمره العام المفتوح تجاه الخاص والمغلق في دوائر أعلى هرم السلطة أو الحكم، وهذا المضمر، وعلى الرغم من أنّ وظيفته الأساس إخفاء رد الفعل الشخصي لكل فرد من أفراده وتمويهه داخل منظومة تلغيز وتشفير مجهولة المصدر، إلّا أنّه في الغالب يستحيل إلى سلاح جمعي يعبّر عن كلّ ذات مفردة تقرّ بالانتماء إليه عبر تناقله والإمعان في تشفيره، وهو تبعاً لذلك سينقاد إلى صورة النقيض المعلن لما يفترضه هدفه السرّي.

لا تبتعد الحالة في المدن السورية عن هذا المنطق، إلّا في درجة عمقها وقوة تشفيرها وإمعانها في علنية تداولها، بالنظر لشدة قمع نظامي حافظ وبشار الأسد اللذين يشكلان نظاماً واحداً متوالداً في الواقع، ولمدى تغلغل الأجهزة الأمنية في الحياة اليومية، ولقناعة العموم بأنّ ثمة من يراقب كل همسة ونظرة وتلميحة في هذا البلد.

غير أنّ لدير الزور خصائص إضافية هي النأي الجغرافي والتوليفة الاجتماعية المتقاربة، والموقف المتمرد تجاه السلطة؛ باعتباره ممارسة فوقية ذات محتوى مستمد من قياس خاص بالشرف، وأساساً من موقف نافر من تنميط الانتماء في مدينة ترتكب عمداً -منذ منتصف القرن العشرين- مسار التخلص من أصول تفسيرها السلطوي الساذجة والكابحة للتطور.

وسيرمي العرض التالي إلى تقديم بعض الصور لأنماط التمرد الاجتماعي العمومي في ديرالزور، ولفرادة التشفير الاجتماعي في مواجهة مساعي النظام إلى تحويل الحياة في سوريا إلى ما يشبه دروس التربية العسكرية والنظام المنظم في المدارس... وأولاً: سنقرّ مسبقاً أنّ المهمة أوسع بكثير من إمكان استيعابها هنا، وثانياً: لابدّ من التأكيد أنّ تغيّر لغة المقال تمثّل ضرورة لتشخيص الحالة وليست امتثالاً لإغراء السخرية رغم قوته الجاذبة.


المقطع الأول: تسقط الإمبريالية.. وأعداؤها

خريف دير الزور جميل حقّاً، أجمل فصول السنة هناك؛ آخر بنات رياح السموم الحارة غادرت، والزمهرير الكاوي لم يصل بعد، وسيبدو الجسر المعلق -المدمر الآن- أشبه بمسار حديدي منحنٍ بين السماء وكتلتين من ذهب الطبيعة المتطاير، وفي أواسط الثمانيات كان جسر الأعيْوِر (الجسر العتيق) مازال موجوداً بنسخته الأولى العثمانية بين الدير البر الرئيسي والحويقة ( العثمانية أيضاً)، لكنّ هذا الجمال ليس ما يشغل سكان المدينة، كان ثمة حدث يمعنون في التقاطه وتناقله بسخرية ممعنة بالتشفي، فقد رشق اتحاد الفلاحين في المحافظة لافتة قماشية هائلة على طول الجسر العتيق لتهنئة "الرفيق المناضل.. الفلاح الأول" بذكر انقلابه المسمى "الحركة التصحيحية" كتب عليها خلاصة الموقف السياسي الأبدي للرفاق الفلاحين: تسقط الإمبريالية وأعداؤها.

لا بدّ أنكم تفكرون الآن بالنمر الوردي.. وحش "رجال الله" المتناسخ الذي يعود شاباً في كل مرة يُقتل فيها، لكن في دير الزور كان هذا الهراء المتناقض مناسبة لإطلاق آلية عدم الشفاعة، فاللافتة  لم تجد من يسعى إلى تصحيحها، ومع أنّها تحولت إلى محج لمن يريد الضحك ثم الضحك ثم الضحك، فإنّها بقيت حتى استبدلها أحد الرفاق النابهين بأخرى أكثر بؤساً تتوعد بتدمير الإمبريالية.

وفي ديرالزور لا معنى للإمبريالية فعلاً، فهي أشبه بشبح أو "سعلوّة" يريد الجميع رؤيتها رغم كل محاولات التخويف منها.. من يدري فقد تكون سعلوّة رونالد ريغان أجمل من اشتراكية حافظ الأسد.


المقطع الثاني: سقط كلاشي

لا مسيرات تأييد مكتملة في ديرالزور، تعرف الدولة -وهو مصطلح يدمج النظام بالدولة شائع الاستخدام هناك- ذلك جيداً، مسيرات المشاعل تنتهي في نصف طريقها، وتتلاشى ثلاثة أرباع الكتلة البشرية المسحوبة رغماً عنها إلى المسيرة ما أن يقترب الحشد من تخوم شارع ستة إلّا ربع.

هناك دائماً مهابيل مشاهير يشاركون في المسيرات، وهؤلاء لهم مكانة خاصة في الدير لكنهم يجَنَّدون في المسيرات لإعطائها طابعاً أكثر قابلية للتذكر، ووجود أحدهم يتيح إنشاء ذاكرة ناقمة للحدث نفسه، ويسهّل التملص النفسي من وزر الخروج إلى المسيرة حتى بالإرغام بعد سحب الهويات في المدارس وأماكن العمل. بعبارة أخرى يتم تحويل "العرس الوطني" وفق التعريف الرسمي إلى "عرس فلان".

في الثمانيات أيضاً حملت "جموع الشعب الهادرة" أحد أشهر حشاشي ديرالزور ليهتف بحياة القائد والقيادة، سقطت فردة كلاشه (الحذاء الجلدي الشهير المصنّع في دير الزور) وبدأ يصيح: ول سقط كلاشي، ويردون بصخب هيستيري: بعثيّة…

- ول وين كلاشي!
- بعثية…
- اخوات الـ(...)
- بعثية…


المقطع الثالث: الأم الجريحة

مع حلول التسعينات انحسرت الواجهة المعلنة لغمامة تداعيات انتقام حافظ الاسد من انتفاضة الإخوان المسلمين في الثمانينات، الانتقام الذي دفعت دير الزور خلاله ثمناً باهظاً باعتقال الآلاف من شبانها وإعدام عدد كبير منهم في مذبحة سجن تدمر وبعدها.

بدا أنّ الأمور استقرت فدفع النظام باستعراض "ديمقراطي" على طريقته، والفكرة كانت إتاحة معركة انتخابية افتراضية بين مرشحين "مستقلين" تختارهم المخابرات من خارج قوائم الجبهة التي ستفوز دون أن ينتخبها أحد بالطبع.

صحت دير الزور على لوحة إعلانية عرجاء بالمعنى الحرفي للكلمة في شارع سينما فؤاد، تفيد بترشح سيدة مجهولة أطلقت على نفسها لقب "الأم الجريحة"، وهي والدة شاب قضى قتلاً في جريمة جنائية، ولديها ابنة تعاني مرضاً عقلياً، فقامت قيامة الديمقراطية في دير الزور، وباتت حملة السيدة هدايات -هذا اسم المرشحة- الشغل الشاغل للمدينة، واجتاح التأييد كل شوارع المدينة حتى أن محافظ ديرالزور وأمين فرع حزب البعث حاولا مقايضتها بالانسحاب مقابل مكاسب مالية لكنها رفضت.

أمعنت دير الزور في الانتقام الساخر، ومجدداً تصدّر أشهر مهابيل الدير السيرة العاصفة للديمقراطية التي أخرجت كل الشيفرات السياسية من صناديق الاقتراع الغاضب إلى صناديق الحياة العامة المزوّرة والملفّقة، وباتت الانتخابات نفسها جولات تعذيب يومية للمحافظ وفرع الحزب، بل إنّ المقر الانتخابي كان رصيف الشارع المقابل لفرع الأمن العسكري، ولو أن أحداً عدّ الأصوات فعلاً لكانت هدايات قد باتت عضواً في مجلس الشعب آنذاك. كانت جولة من التشهير بالدولة علناً في شوارع الدولة وبأدوات الدولة.


المقطع الرابع: بالزور بالقوة.. الكاس للفتوة

الرياضة في دير الزور جنسان.. "الفتوة والآخرين"، ومع أنّ نادي اليقظة كان حاضراً دائماً لكن "الآزوري" الديري كان عنوان التحدي، الأزرق المقابل لأحمر المنتخب ولأحمر نادي الجيش، وإذا كان ثمة فصل للرياضة عن السياسة في أي مكان من العالم فهذا أمر مستحيل في دير الزور، وحين حقق الفتوة "الفوز الأول" خلال الدوري على نادي الجيش كان الأمر احتفالاً بالفوز على "المنتخب"، لأن نادي الجيش في العرف الديري هو نادي النظام حرفياً.

ومع أن الفتوة شهد تقلبات في مواقعه نتيجة ما يوصف بعنف الجماهير، فقد كان المشجعون المحترفون يسمون مواجهاتهم مع شرطة حفظ النظام في دمشق وحلب وغيرها بأسماء معارك منفصلة، وهم يفصلون بين الفوز في المباراة وإطلاق موجة من إعلان عدم الانتماء إلى أخلاق "اتحاد سريّة الرياضي" بتأكيد متواصل على أنّ الرياضة هي انتقام من النظام ذاته. وكان يكفي حضور مباراة في ستاد ديرالزور لتسمع الأغاني التعبوية التي يبثها تلفزيون النظام تشجيعاً للمنتخب وهي تغنى بالمقلوب تماماً.

قلنا إنّ التشفير المديني للعصيان الساخر ينقلب نحو إعلان المضمر في صورته الأكثر فجاجة -ورهافة حتماً-، وبينما يُفترض أن تؤدى إجراءات تسويق "الدولة" ككيان مستقر و"أبدي" في صورة "قائدنا إلى الأبد" فقد كانت ديرالزور تجرفها نحو ما يشبه لافتة اتحاد الفلاحين... "تسقط الدولة وأعداؤها". 

بيت عربي قديم حي الشيخ ياسين

]]>
بعد ثماني سنوات.. جذوة الربيع العربي ما تزال متقدّة http://ayn-almadina.com/details/4751/4751/ar 4751 date2019-02-05 19:05:20 ayn-almadina آلان غابون 17 كانون الأول عن موقع The Middle East Eye ترجمة مأمون حلبي   ما يزال الربيع العربي مصدر إلهام فعّال ودافع قوي لمزيد من الاحتجاجات بالرغم من المشهد الإقليمي الباعث على الأسى والغم، بالرغم من أن المرء حين يتذكر الأمل المُثلج ...
بعد ثماني سنوات.. جذوة الربيع العربي ما تزال متقدّة

بعد ثماني سنوات.. جذوة الربيع العربي ما تزال متقدّة

ترجمة

آلان غابون
17 كانون الأول عن موقع The Middle East Eye

ترجمة مأمون حلبي  

ما يزال الربيع العربي مصدر إلهام فعّال ودافع قوي لمزيد من الاحتجاجات بالرغم من المشهد الإقليمي الباعث على الأسى والغم، بالرغم من أن المرء حين يتذكر الأمل المُثلج للصدور بدمقرطة المجتمع و بنظام شرق أوسطي أفضل -هذا الأمل الذي أطلقته ثورات 2011- يبدو المشهد السياسي الحالي للمنطقة مشهداً مُثبّطاً للهمم، وتبدو مفردات وعبارات ما "بعد الربيع العربي" مبرّرة تماماً.
 

مشهد كارثي

في وقتنا هذا تبدو المنطقة أبعد من أي وقت كان عن رؤية مجتمعات ديمقراطية يسودها السلام، عادلة ومزدهرة و استيعابية؛ الرؤية التي كانت حلم ملايين المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع والساحات العامة يحدوهم أمل وفرح غامرين في كل أنحاء المنطقة، من المغرب إلى البحرين ومن مصر إلى اليمن. يبدو اليوم وكأن تلك اللحظة المثيرة تعود إلى حقبة تاريخية غابرة، حتى أنه من الصعب أن يتخيّل المرء أن هذا الأمر قد حدث قبل ثماني سنوات فقط، ففي الحقيقة الوضع الآن أسوأ وأكثر كارثية بكثير مما كان عليه قبل أن يحرق البوعزيزي نفسه في كانون الأول 2010.

فمصر التي أصبحت ساحة التحرير فيها الرمز الملهم للربيع العربي، ترزح الآن تحت نير طاغية فاشي أسوأ بكثير من سابقه حسني مبارك. والسعودية و الإمارات والبحرين تبقى محكومة من قبل حكّام مُطلقين يتوارثون الحكم عائلياً. أما اليمن فيُقتل سكانه منذ أربع سنوات بتوليفة فظيعة من الحروب بالوكالة والحرب الأهلية والمجاعة المُصطنعة والأمراض. بعض البلدان تفكّكت إلى درجة أنها قد تكون عصيّة على الإصلاح لعقد قادم أو أكثر، مثل سوريا وليبيا اللتين تفتتا وانهارتا.

فلسطين طريق مسدود

الوضع الفلسطيني - الإسرائيلي وصل إلى طريق مسدود، أساساً بسبب تصميم إسرائيل (وحلفائها) على منع قيام دولة فلسطينية وبسبب إدارة ترامب؛ ويظهر أن الجميع، بما فيهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم الدول العربية، قد تخلّى عن الشعب الفلسطيني. وحتى تونس، البلد الذي نجح فيه الربيع العربي، يعاني منذ سنوات وضعاً هشاً وغير مستقر، وحكوماتها المتعددة في حقبة ما بعد الثورة عاجزة تماماً عن حل المشكلات الاقتصادية التي تنغّص عيش هذا الشعب وتعرّض مستقبله الديمقراطي للخطر. في غضون ذلك تكافح بلدان أفضل نسبياً للإفلات من المتاعب وتجنّب دوامة التشظّي والانهيار والعنف الفظيع، لكن الوضع مأساوي ومرعب بالفعل أينما أجال المرء نظره.
 

لماذا فشل الربيع العربي

ليس من الصعب أن نفهم كيف انتقلنا من أحلام نبيلة ولافتة بنظام عربي أفضل إلى كوابيس العنف متعددة الأشكال، والتي نلاحظها على امتداد المنطقة؛ العامل الرئيسي في هذه النتيجة التاريخية المحزنة كان -دون شك- القمع الوحشي الهائل الذي سرعان ما أُطلق ضد الثورات من قبل زعماء الدول مثلما فعل الأسد في سوريا، ومن قبل قوى الدولة العميقة مثلما فعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر.

فبعد الإطاحة برئيس تونس بن علي وإدراكهم بأن الثورة ضدهم كانت جدية، انتقلت الطغم الحاكمة وطغاتها على الفور إلى أسلوب الثورة المضادة؛ لقد فهموا بوضوح أن هذا الأمر بالنسبة إليهم كان صراعاً تاريخياً من أجل البقاء، ومن أجل ذلك حشدوا على الفور الموارد الهائلة -عسكرية، سياسية، اقتصادية، دعائية- لتصبح رهن تصرفهم قبل أن يفوت الأوان، مع التعاضد فيما بينهم عندما يتعلق الأمر بإنهاء هذه الاحتجاجات بإغراقها بالدم، كما فعلت السعودية في البحرين.

الوسائل اللوجستية التي يستطيعون حشدها، بما في ذلك قواتهم الأمنية الضخمة وخبرتهم الطويلة ومهاراتهم في القمع، وتصميمهم الراسخ على دفن تلك الثورات في المهد، ومناوراتهم الماكرة- كل ذلك تفوق على المحتجين وعند الضرورة تم إغراقهم بالدم؛ لقد رصَّت قوات الدولة وأجهزتها القوية صفوفها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حكم أولئك الطغاة.
الثورة في مواجهة الثورة المضادة

اللاعبون والمحتجون الثوريون، الذين واجههم فاعلون مضادون ومتفتقو الذهن أذكياء وبلا رحمة وقادرون، هُزِموا بكل بساطة على الرغم من الملايين التي كانت قد نزلت إلى الشوارع؛ كان المحتجون يفتقرون للقادة، ويفتقرون لموارد حقيقية سوى أجسادهم وروحهم وشجاعتهم (الجديرة بالإعجاب لكن الضعيفة بمواجهة الرصاص)، ولم يكن لديهم عمق برنامجي حقيقي أو مهارات إستراتيجية، وارتكبوا في كثير من الأحيان أخطاء مأساوية.

فعلى سبيل المثال، عندما دعمت حركة "تمرد" المصرية، التي أسكرها وأدار رأسها النجاح الأولي المذهل للربيع العربي، بتهور الانقلاب العسكري للسيسي عام 2013 ضد الرئيس مرسي المنتخب ديمقراطياً، اعتقدت الحركة -بغباء- أنها تستطيع أن تتحكم بـ/ أو تضبط إيقاع قوة مثل المجلس العسكري، الذي كان أكثر تمكناً من مرسي بأشواط. نتيجة لهذه السذاجة، سرعان ما وجد طلاب حركة تمرد أنفسهم يشاركون خصومهم السابقين من "الإخوان المسلمين" الزنازين عندما انقلب السيسي عليهم بعد أن تخلص من مرسي والإخوان المسلمين.

السبب الثاني للانهيار السريع للربيع العربي وانتهائه إما إلى حالة العنف أو إلى حكم الفرد المطلق هو أن المحتجين بالغوا إلى حد كبير بتقييم أنفسهم وقدراتهم، في حين أنهم غالباً ما قلّلوا من قيمة الدعم المتواصل من شرائح كبيرة من السكان للديكتاتوريين وللأنظمة التي كانوا يريدون الإطاحة بها، كما في حالة الأسد في سوريا.

دول أخرى تعتمد العنف بشكل مبطّن، وحكّام آخرون كملك المغرب وآل سعود استخدموا مزيجاً من القسر والتهدئة عبر المنافع الاقتصادية، وإصلاح معتدل لا يضر بحكمهم، وتسخير الدين وتبعية نخبته المشيخية، والتهديد بالقوة و/ أو القمع الفعلي في إستراتيجية مضادة للثورة متعددة الجوانب ومحبوكة جيداً- إستراتيجية أجهضت أو قللت من زخم احتجاجاتهم أو خنقتها داخل بلدانهم.

لعبت عوامل أخرى -مع أنها أقل أهمية وليست حاسمة- دورها، كالغياب التام للدعم من "الغرب الديمقراطي الحر"، الذي أدى قادته في أفضل الأحوال خدمة لفظية منافقة للربيع العربي، قبل أن يستأنفوا دعمهم الكامل لتلك الدول القمعيّة ولطغاتها المستبدين القدامى والجدد بأسرع ما استطاعوا.


مبررات للأمل

على الرغم من الوضع المحبِط لمعظم البلدان وما تم تقديمه آنفاً، ثمة مبررات للأمل. وينبغي عدم التقليل من أهمية الربيع العربي وانشغالنا به أو وصفه كفشل كُلّي، كما يفعل معظم المحللين منذ سنوات، فمن منظور سياسي هذا الأمر يمكن فقط أن يُعمّق اليأس وفقدان الأمل، بينما من منظور تاريخي فتوصيف من هذا النوع صحيح فقط جزئياً، إضافة إلى اتصافه بقصر النظر لتركيزه الزائد على الوضع الحالي.

أولاً: الإطاحة بأربع ديكتاتوريين في سنة واحدة (بن علي، مبارك، القذافي، صالح) متبوعة بانتخابات حرة في عدة بلدان مع ظهور ديمقراطية حقيقية واحدة على الأقل (تونس)، وبعض الإصلاحات في بلدان كالمغرب، كل هذا يجب بالطبع عدم اعتباره قليل الأهمية.

ثانياً: تبقى تجربة الربيع العربي المثيرة، التي كانت بالنسبة للملايين أول مرة يتذوقون فيها طعم الحرية والسيادة الشعبية، تبقى لحظة تأسيسية إضافة إلى كونها نموذجاً ومصدر إلهام مستمر.

ثالثاً: دحض الربيع العربي نهائياً فكرة أن العالم العربي لا أمل له، وأنه أبداً لن يكون قادراً على تحقيق الحرية والسيادة الشعبية كما سبق وحقق ذلك قسم كبير من العالم؛ ولكونه هكذا، كان العالم العربي نوعاً من الاستثناء الجغرافي – الثقافي.

رابعاً: أظهر الربيع العربي أن تلك الأنظمة الطغيانية، التي كان كثير من الناس يظنّون أنها لا تهتز أو على الأقل أنها قوية ومستقرة، كانت فعلياً نموراً من ورق يمكن تحديها وهزيمتها؛ وإذا كان زعماء دول مثل السيسي والأسد ومحمد بن سلمان يقمعون أي علامة من علامات الخروج عليهم بالوحشية التي شهدناها، فهم إنما يفعلون ذلك بدافع الخوف، بل وحتى اليأس، وهمجيتهم التي تتجاوز كل ما شهدناه قبل 2011 تعبّر عن مقدار هشاشتهم. من أجل هذا يبذل أولئك الطغاة جهوداً مضاعفة لمحو حتى مجرد ذكرى الربيع العربي، لكن الخيال الحالم كان على الدوام سمة أساسية للإنسانية، ويبقى الربيع العربي جزءً هاماً ومتكاملاً لذلك الخيال الفعال مع أنه قد يبدو خامداً مؤقتاً.

خامساً: من غير الصحيح -استناداً إلى الوقائع- القول بأن الربيع العربي قد انتهى، لأنّ الأماكن التي يتواصل فيها غير معدومة، ولو أن ذلك يحدث على نطاق أصغر، وبأشكال محليّة ومختلفة وأقل لفتاً للانتباه.
مصدر إلهام فعّال

بالرغم من الصعوبات الاقتصادية، لم يفقد الشعب التونسي شيئاً من ولائه للديمقراطية وإرادته في معارضة ومقاتلة القادة العرب القمعيين والفاسدين والمتفردين بالحكم، كما اكتشف محمد بن سلمان أثناء رحلته إلى هناك في هذا الشهر، حتى عندما كان يحاول شراء صمت هذا الشعب. وفي سوريا تستمر المعارضة لنظام الأسد، ويبقى ملايين السوريين ملتزمين بمستقبل مدني ديمقراطي لبلادهم يستوعب الجميع. وشهد الأردن موجات جديدة من الاحتجاجات الجماهيرية أججتها نفس المطالب والإحباطات والروح التي أججت الربيع العربي. وفي المغرب أوجد مزيج من الاستبداد السياسي والركود الاقتصادي وزيادة كبيرة في عدد السكان شباباً قلقاً لم يعد يتردد في النزول إلى الشوارع بشعارات صريحة ضد الملك؛ وحركة الريف المغربي التي بدأت عام 2016 وقُمعت بقسوة من قبل النظام تمتد طوال العامين الماضيين إلى أجزاء أخرى من البلاد. وكان العراق أيضاً مسرحاً لتمردات مماثلة معادية للحكومة قام خلالها المحتجون بمهاجمة وحرق المباني الحكومية ومراكز الشرطة ومقرات المليشيات المسلحة والأحزاب السياسية.


الربيع العربي لم ينتهِ

لا يمكن للربيع العربي أن ينتهي لسبب بسيط، وهو أن الظروف في كل مكان التي خلقت التربة الثورية وأنجبت ثورات 2011 ما تزال موجودة، وأحياناً بأشكال أسوأ، كما في مصر وسوريا؛ وهو قد لا يتخذ شكل ثورات شعبية ضخمة ومفاجئة.

قد يكون إصلاحياً، تدرجياً، تصاعدياً، متقطعاً ومحلياً، لكن هذا الربيع سيستمر، وهو في الحقيقة مستمر.

]]>
علي برهان ماميتا.. سيرة قصيرة لناشط ديني شيعي من دمشق http://ayn-almadina.com/details/4752/4752/ar 4752 date2019-02-05 19:14:22 ayn-almadina تضاربت الأنباء عن الطريقة التي مات أو قتل فيها مسؤول "هيئة كفيل زينب" علي برهان ماميتا، بين رواية قالت إنه قضى بحريق اندلع إثر ماس كهربائي في منزله بساحة العراقيين في حي السيدة زينب جنوب دمشق، ورواية ثانية أقل تداولاً قالت إنه قُتل بانفجار ...
علي برهان ماميتا.. سيرة قصيرة لناشط ديني شيعي من دمشق

علي برهان ماميتا.. سيرة قصيرة لناشط ديني شيعي من دمشق

صياد المدينة

تضاربت الأنباء عن الطريقة التي مات أو قتل فيها مسؤول "هيئة كفيل زينب" علي برهان ماميتا، بين رواية قالت إنه قضى بحريق اندلع إثر ماس كهربائي في منزله بساحة العراقيين في حي السيدة زينب جنوب دمشق، ورواية ثانية أقل تداولاً قالت إنه قُتل بانفجار قنبلة يدوية خطأ في المنزل.

علي أي حال كانت نهاية ماميتا مأساوية، أحزنت رجال دين وقادة وعناصر ميليشيات شيعية من سوريا ولبنان والعراق وإيران. إذ كان ماميتا -الذي ترعرع قبل الثورة- خادماً في مقام سكينة في مدينة داريا، قبل أن يرث أعمال أبيه في محل الخواتم الفضية والهدايا الدينية في حي السيدة زينب، وفي تنظيم وقيادة مجالس العزاء ومواكب اللطم داخل الحي، أو خارجه نحو الجامع الأموي أو مقام رقية وسط مدينة دمشق.

أسف عليه كثيرون، وأعادوا نشر صوره نافخاً في البوق، أو قارعاً على الطبل، أو حاملاً للرايات في طلائع المواكب في الاحتفالات الدينية الدورية على مدار العام. ونعاه مسؤول يتكلم العربية في الحرس الثوري الإيراني، ونشر محادثات قديمة بينهما يستأذن فيها ماميتا لإعلامي محلي نشر صور الأعلام والرايات "الحسينية" من داريا بعد تهجير أهلها آخر العام 2016.

كلما كانت قوات النظام والميليشيات الشيعية تسيطر علي حي أو مدينة حول دمشق كان ماميتا أول الواصلين كناشط ديني يحمل الأعلام والبخور في حالات، أو ك"مجاهد" تحت راية حزب الله أو ميليشيا "أبو الفضل العباس" أو "لواء الإمام الحسين" في حالات أخرى، إذ لم تشغله وظيفته الدينية عن أداء واجبه "الجهادي" مكملاً سيرة أبيه برهان ماميتا، أحد مؤسسي أول التشكيلات الشيعية المسلحة جنوب دمشق وأشهر المقاتلين في صفوفها حتى مقتله على جبهة مدينة ببيلا في أيلول عام 2012.

مثّل علي برهان ماميتا وعائلته -التي يقاتل معظم شبانها في صفوف الميليشيات- حالة انفصال  شبه كامل عن النظام، وعن السياقات والمسارات المتاحة لأي مؤيد له، إذ كان الشاب مستغنياً بمساره وفضائه الخاص عن فضاءات مؤيدي النظام، وبلا شك يعمم نموذج آل ماميتا على عائلات أخرى منتمية للطائفة الشيعية في سوريا.

فرغم ولادته ونشأته في مدينة دمشق، وانتمائه لعائلة من حي زين العابدين على أطرافها، لا يصدر عن ماميتا أي علامات انتماء سوري، حتى ولو كان تأييداً للنظام. ولولا الجنسية والسجلات التي أجبرته على إلحاق اسمه شكلاً بجيش الأسد لتأدية الخدمة الإلزامية مع الفرز المسبق ل"صالح الأصدقاء" لانقطعت الصلات العملية التي تربط ماميتا بهذا النظام.

وفي لحظات غضب ظهرت في منشورات قليلة على صفحته الشخصية في فيسبوك، عبّر عن أحلامه بانقطاع الروابط التي تقيده بهذه البلاد، وكان أشدها غضباً ويأساً حين كتب في الأسبوع الأول من هذا الشهر "الله يبعتلي حدا يقطعني متل خاشقجي ويحطني بشناتي بس المهم يطلعني من هالبلد"

]]>
الأسد محاصراً ومعزولاً ومفلساً وراء الخط الأصفر http://ayn-almadina.com/details/4754/4754/ar 4754 date2019-03-05 17:58:44 ayn-almadina خلف الخط الأصفر، أو وحيداً في اجتماع لا وجود لممثل دبلوماسي عن الدولة المضيفة فيه. هذا ما يحصل عليه بشار الأسد من حلفائه وحماته في روسيا وإيران. يسرّب الروس صورته ذليلاً، يقف بين مرافقي بوتين على أرض سورية وفي مطار كان يحمل اسم شقيقه القتيل، فيرد ...
الأسد محاصراً ومعزولاً ومفلساً وراء الخط الأصفر

الأسد محاصراً ومعزولاً ومفلساً وراء الخط الأصفر

افتتاحية العدد

خلف الخط الأصفر، أو وحيداً في اجتماع لا وجود لممثل دبلوماسي عن الدولة المضيفة فيه. هذا ما يحصل عليه بشار الأسد من حلفائه وحماته في روسيا وإيران. يسرّب الروس صورته ذليلاً، يقف بين مرافقي بوتين على أرض سورية وفي مطار كان يحمل اسم شقيقه القتيل، فيرد الإيرانيون باستدعائه وحده، ثم يتلاعبون بصورته ويقزّمون حجمه ليصير خامنئي أطول منه وهما يحتضنان بعضهما، ولا تضاهي سعادته البادية إلا فرحة شبيح رخيص نال رضا "المعلم". محاصر حتى فقد قدرته على اجترار الاقتصاد الوهمي بطوفان عملة مطبوعة بلا دعم، تبخّرت دعاية انتصاره وإعادة إعمار أصنام والده السفاح، وتحولت نشوة سحق مدن وقرى سوريا إلى لهاث وراء تدوينات متذمرة لشبيحته وهم يطاردون إسطوانات الغاز وسويعات الكهرباء المتناقصة وعودة الليرة إلى منحنى الهبوط.
معزول حتى عن استقبال دبلوماسي يناله أي رئيس في أي مكان، يقاد إلى حميميم ليقف خلف حدوده الصفراء مصفقاً لبوتين، أو إلى طهران ليبلغه قاسم سليماني بما يجب أن يفعل في إدلب وحماة وديرالزور. يترنح "الانتصار" الملفّق تحت وطأة تبدد وعود إعادة الإعمار الخلبية، وفرملة ما كان سيبدو انفتاحاً عربياً على نظامه على وقع "بلوك" أمريكي – أوروبي؛ يعيده إلى وضعه الأول كصفقة خاسرة تورط بها الروس، ولا يعرفون كيف سيتم تصريف بضاعة فاسدة لا تشتريها إلا إيران التي لا تصلح كزبون تهدد إسرائيل بضربه دون توقف. فتتسرب أوراق جس نبض روسية عن تصعيد نسخة كاريكاتورية لضابط قتيل إلى قيادة الجيش ليكون "النمر المتناسخ" تهديداً جديداً لآل الأسد وحلم الشقيق الأصغر ماهر في وراثة عرش الشبيحة الدامي. يتهاوى مشروع "الانتصار الإلهي" في سوريا والذي احتفى به الإرهابي حسن نصر الله مبكراً، لأن الاسد قتل الدولة والمجتمع والاقتصاد وقتل معها فرص نجاته المستحيلة أصلاً. قد يطول أمد غطاء الوهم أو يقصر، وربما يظل لفترة ما واجهة استخدام  لهوس بوتين في استعادة إمبراطورية روسيا موقعها، أو لهوس طائفي إيراني يسري الآن في جسد دمشق، لكنه في نهاية أمره ليس نتيجة مقنعة يمكن دفع أي ثمن مقابلها... ليس الأسد ثمناً لأي انتصار ولا هو ثمن لأي هزيمة  

]]>
كلية الحقوق.. كلية الحشيش والحبوب المخدرة بدير الزور.. "أأمّن 400 ليرة حق سيجارة الحشيش، كل يوم أدخن سيجارة أنا وصديقتي وكل نهارنا انبساط" http://ayn-almadina.com/details/4755/4755/ar 4755 date2019-03-06 18:43:48 ayn-almadina تقول (أ) وهي طالبة السنة الثانية في كلية الحقوق بجامعة الفرات بدير الزور، ولا تجد حرجاً في الاستدانة أحياناً لشراء الحشيش المخدر، فالأمر مألوف ويسير جداً، حيث تشتري ما تريد من زميل لها في الكلية: "وقت الحصار تعلمتُ عالتدخين، ومن كم شهر جربتُ الح...
كلية الحقوق.. كلية الحشيش والحبوب المخدرة بدير الزور.. "أأمّن 400 ليرة حق سيجارة الحشيش، كل يوم أدخن سيجارة أنا وصديقتي وكل نهارنا انبساط"

كلية الحقوق.. كلية الحشيش والحبوب المخدرة بدير الزور.. "أأمّن 400 ليرة حق سيجارة الحشيش، كل يوم أدخن سيجارة أنا وصديقتي وكل نهارنا انبساط"

رادار المدينة

تقول (أ) وهي طالبة السنة الثانية في كلية الحقوق بجامعة الفرات بدير الزور، ولا تجد حرجاً في الاستدانة أحياناً لشراء الحشيش المخدر، فالأمر مألوف ويسير جداً، حيث تشتري ما تريد من زميل لها في الكلية: "وقت الحصار تعلمتُ عالتدخين، ومن كم شهر جربتُ الحشيش وعجبني.."

"ماني مدمنة هسع، بس ارتاح معاه كثير" تضيف (أ) التي لا يدل مظهرها الخارجي على أنها صارت -كما تقول- (تميز الصافي من المغشوش بين أنواع الحشيش، وتخلط وتلف بمهارة) مثل أي صاحب مزاج مدمن.

في مدينة دير الزور التي لا يزال كل شيء فيها أسير استباحة وسيطرة لم تفتر للمخابرات وعناصر الميليشيات، صارت الكليات الجامعية سوقاً رئيسية لتجار المخدرات، وصارت كلية الحقوق "مدرسة لتعليم الحشيش وإدمان الحب" كما وصفها أحد الطلاب المتذمرين من "وقاحة التجار والموزعين والمتعاطين" الذين حولوا "الكافتريا" وساحات الكلية إلى صالات بيع وشراء علنية، يقصدها جميع الطلاب الجامعيون المتعاطون، بل ويقصدها أيضاً متعاطون من خارج الجامعة، وفق ما يقول الطالب المتذمر الذي قلص أيام دوامه إلى الحد الأدنى ليتحاشى هذا "الجو الموبوء".

يبلغ عدد طلاب كلية الحقوق (2350) طالباً وطالبة من جميع السنوات، بينهم (220) طالباً منتسباً لميليشيا "الدفاع الوطني" يتركزون في السنتين الأولى والثانية. حيث يبلغ عدد العناصر الطلاب في الأولى (100) تقريباً، ويبلغ العدد في الثانية (95) تقريباً، يتعاطى أغلبيتهم المخدرات.

ويعد محمود المتراس وهو طالب في السنة الثالثة بكلية الحقوق وعنصر بارز في ميليشيا "الدفاع الوطني"، أكبر تجار المخدرات في الجامعة، تربطه علاقات متينة مع التجار الرئيسيين على مستوى المدينة، لا سيما منهم رئيس فرع الهلال الأحمر بدير الزور سفيان المشعلي. يتمتع محمود المتراس بالحماية من جهات متعددة، ميليشيا "الدفاع الوطني" التي ينتسب اليها، وميليشيا "كتائب البعث" التي يترأسها عمه سالم، فضلاً عن حماية المشعلي وشركائه في أجهزة المخابرات والشرطة وفرع مكافحة المخدرات بدير الزور.

في "الكافتريا" في الممرات وفي بعض القاعات الفارغة، لا يجد بعض الطلاب حرجاً في إشعال سيجارة يتناوبون عليها، وتتجنب كثير من الطالبات الحمامات التي صارت حكراً للمتعاطين من الجنسين. يقول أبو سعيد (اسم وهمي) وهو أب لطالبة في السنة الثانية بكلية الحقوق، إنه واقع مع زوجته بحيرة كبيرة "شايلين هم هالبنية.. ما ندري نخليها تداوم ولا لا؟.. آخر شي اتفقنا معاها تروح عالفحص بس.. صارت الدنيا تخوف". خوف يحياه اليوم في دير الزور كل أب وأم على أبنائهم وبناتهم "من هالبلاوي والمصايب اللي قعد نشوفها قدام عيوننا كل يوم" تقول الأم التي لا تطمئن على ابنتها إلا إذا كانت في المنزل، فالخارج سواء في الشارع أو في المدرسة أو الجامعة أو الوظيفة، كله أخطار تدعو الله أن يجنبها ابنتها طالبة الجامعة وابنتها الأخرى طالبة الثانوية وابنها.

     لا يبدي رئيس جامعة الفرات الذي تلاحقه شبهات فساد كبرى راغب العلي، ولا عميد كلية الحقوق المعين بداية العام الدراسي الحالي أحمد عبد الرحيم، ولا أي من مسؤولي الجامعة اهتماماً يذكر بظاهرة المخدرات المستفحلة بالجامعة وب"الحقوق" خاصة. بل ويُتهم بعض أعضاء الهيئة التدريسية مثل وليد عرب بالتواطؤ مع المتراس، كما يقول بعض الطلاب عن أستاذهم الذي "يبيع المادة ويمكن يتوسط بمواد غيره، ببطانية أو كروز دخان أو سيجارة حشيش يمكن يرجع يبيعها عالطلاب"، والطريف في أمر العرب هو تكليفه من قبل رئيس الجامعة بالتحقيق في مظاهر الفساد المستفحل في الكلية إلى حد مُنح فيه طلاب راسبون في السنة الأولى كشوف علامات ومصدقات وشهادات تخرج. وكانت نتيجة تحقيق العرب الإطاحة بالعميد السابق وإيقافه عن التدريس.

]]>
الثورة لا تموت.. مظاهرات لأبناء الطبقة ترفض عودة النظام http://ayn-almadina.com/details/4756/4756/ar 4756 date2019-03-07 19:09:24 ayn-almadina "ما إن انتهى الخطيب من خطبته في جامع الحمزة -الجامع الأشهر ومركز مظاهراتنا السابقة بداية الثورة في مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي- حتى بدأنا بالهتاف... الله أكبر الله أكبر.. الشعب يريد إسقاط النظام.. هل تصدّقْ؟ إنها قشعريرة الانتصار على ا...
الثورة لا تموت.. مظاهرات لأبناء الطبقة ترفض عودة النظام

الثورة لا تموت.. مظاهرات لأبناء الطبقة ترفض عودة النظام

رادار المدينة

"ما إن انتهى الخطيب من خطبته في جامع الحمزة -الجامع الأشهر ومركز مظاهراتنا السابقة بداية الثورة في مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي- حتى بدأنا بالهتاف... الله أكبر الله أكبر.. الشعب يريد إسقاط النظام.. هل تصدّقْ؟ إنها قشعريرة الانتصار على الخوف، إنها الفرح.. الرهبة.. لا أستطيع وصف هذا الشعور".

يصف ملهم النايف (21 عام) ابن مدينة الطبقة اللحظات الأولى لانطلاق المظاهرات من جديد أيام الجمعة في مدينته، بأنها "أعادت الروح لتلك المدينة التي قدمت عشرات الشهداء في الثورة السورية ولاتزال مستمرة في العطاء بإيواء آلاف المهجرين من كل أنحاء سوريا"، كما يصف، ويمثّل تلك الحالة بأنها أحيتهم بعد موت طويل، خاصة أن المنطقة لا تخضع لسيطرة الجيش الحر، وتملك موقعاً جغرافياً يضعها في واجهة الأحداث مقابل مناطق سيطرة النظام.

"فكرة التنسيق للمظاهرات جاءت مجدداً كردة فعل، بعد أن تفاجئنا ببيان أصدره من يسمون أنفسهم زوراً بشيوخ العشائر، يدعون من خلاله نظام الأسد للعودة والسيطرة على مدينة الطبقة، وبذات الوقت كانت تدور مفاوضات بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" من أجل تسليم المنطقة للنظام، فكان لزاماً علينا القيام بشيء ضد هذه التحركات" يقول ملهم.

ويتابع "في البداية حاولنا أن نكثف المنشورات على برامج التواصل الاجتماعي من أجل أن نفند تلك البيانات، خاصة أن منطقتنا ذات طابع عشائري، وقمنا بتشكيل مجموعات لإيصال صوتنا في تلك المنشورات التي نوضح فيها بأن الذين ظهروا في البيان أساساً يعيشون في مناطق النظام، وغرروا بكثير من المنتفعين من النظام المتواجدين في الطبقة للتوجه إلى مناطقه، والدخول في عملية مصالحة من أجل وضع قدم لهم في المدينة وتسهيل عملية إخضاعها".

ويشرح بأن المنشورات "لم تجدِ نفعاً لأن معظم المتابعين من خارج سوريا -والناس على الأرض- لا يعرفون ماذا سيحل بهم بعد فوضى التصريحات والبيانات بين تركيا والنظام وقسد وروسيا وأمريكا، فكان خيارنا الدعوة إلى مظاهرة.. وبالفعل انطلقنا من جامع الحمزة 11 كانون الثاني الفائت لتكون بداية مظاهراتنا”، يقول ملهم.

تجمّع في ذلك اليوم عدة شبان بعد صلاة الجمعة، ينتظرهم خارج الجامع لافتات جلبها الأصدقاء، ميكروفون ومكبرات صوت، وانطلقوا بالهتافات المعروفة (الشعب يريد إسقاط النظام.. بالروح بالدم نفديك يا شهيد). تجاوب معهم العشرات خاصة من الأطفال، الذين "قدموا من كافة أحياء المدينة، فلم يكن غرضهم الصلاة فقط بل التظاهر أيضاً، والصدح بأصواتهم مجدداً بأنه لا عودة لنظام الأسد".

يصف ملهم ردة فعل الشارع بعد تلك الجمعة والجمعة التي تلتها؛ يقول إن هناك ثلاثة أصناف من المدنيين القريبين من المظاهرات، صنف شارك فيها "دون أي تتردد"، وصنف يرغب بالمشاركة ويتمنى أن تخرج تلك المظاهرات بشكل مستمر "لكنه خائف من دخول النظام إلى المنطقة"، إضافة إلى الموالين لنظام الأسد، الذين تكفلوا بتسجيل أسماء المشاركين في المظاهرات لإرسالها إلى الأفرع الأمنية، كما يجزم الشاب.

لم يتمكن منسقو تلك المظاهرات من التظاهر خلال جمعتين متتاليتين نتيجة الحظر الذي فرض على ناحية المنصورة ورُفع فيما بعد، نتيجة احتجاجات المدنيين ضد قوات "قسد" بعد مقتل أحد المدنيين هناك على أحد حواجزها.
وأكد عدد من منسقي تلك المظاهرات في حديثهم لعين المدينة، بأنهم حققوا نتيجة جيدة بعد أن اختفت أصوات المطالبين بعودة نظام الأسد وتوقف نشاطهم بشكل شبه كامل بعد أن كانوا يدعون يومياً إلى عودة النظام وعقد المصالحات. وحاولت قوات "قسد" في المدينة "العزف على وتر تلك المظاهرات من خلال دعوتهم لمناهضة التدخل التركي في الشمال السوري والتدخل المزمع شرق الفرات، لكن المتظاهرين رفضوا ذلك معتبرين أن عدوهم الأهم والأول هو نظام الأسد"، بحسب أحد منسقي المظاهرات.

الشعارات والأعداد والمشاركة -رغم قلتها- كانت رسالة واضحة أراد أبناء الطبقة أن يوصلوها لمؤيدي النظام من جهة، و لقوات "قسد" من جهة -رغم أنها لم تتعرض للمظاهرات-، بأنهم لا يريدون عودة النظام بشكل مطلق، وأن المدنيين لن يكونوا الخاسر في المعارك السياسية والعسكرية التي تحيط بهم مجدداً. يختم ملهم حديثه "نادينا بأسماء شهداء المدينة الذين تخطوا 1500 شهيد.. بحة الأصوات ودموع الشيوخ كانت كفيلة بأن نواصل ونستمر في المظاهرة الأولى التي خفنا حين كنا ننسق لها أن تصطدم بسلطة الأمر الواقع".

]]>
ميليشيات الحرس الثوري الإيراني في تدمر (500) عنصر لـ«فاطميون» ربعهم أفغان والباقي سوريون وعراقيون وفلسطينيون http://ayn-almadina.com/details/4757/4757/ar 4757 date2019-03-08 09:40:13 ayn-almadina منذ سيطرة قوات النظام وحلفائه الروس والإيرانيين على مدينة تدمر مطلع آذار في العام 2017، حافظ الحرس الثوري الإيراني عبر الميليشيات التابعة له على وجود ثابت في المدينة بما تمثله من أهمية بالغة كقاعدة كبرى في بادية الشام و كمحطة رئيسية في الطريق إلى محا...
ميليشيات الحرس الثوري الإيراني في تدمر (500) عنصر لـ«فاطميون» ربعهم أفغان والباقي سوريون وعراقيون وفلسطينيون

ميليشيات الحرس الثوري الإيراني في تدمر (500) عنصر لـ«فاطميون» ربعهم أفغان والباقي سوريون وعراقيون وفلسطينيون

رادار المدينة

منذ سيطرة قوات النظام وحلفائه الروس والإيرانيين على مدينة تدمر مطلع آذار في العام 2017، حافظ الحرس الثوري الإيراني عبر الميليشيات التابعة له على وجود ثابت في المدينة بما تمثله من أهمية بالغة كقاعدة كبرى في بادية الشام و كمحطة رئيسية في الطريق إلى محافظة دير الزور. في هذا التقرير تحاول عين المدينة اعتماداً على مصادر خاصة تقديم صورة عامة عن الوجود الإيراني في مدينة تدمر، والذي يتمثل اليوم بثلاث ميليشيات رئيسية هي "لواء فاطميون" الأفغاني و"لواء زينبيون" الباكستاني و"حزب الله" اللبناني، في حين غادرت تدمر إلى وجهات مختلفة معظم ميليشيات الحشد الشيعي العراقية.

ميليشيا "لواء فاطميون"

شاركت "فاطميون" في معركة السيطرة على مدينة تدمر ضد تنظيم داعش، واتخذت بعد ذلك قاعدة ومقرات عدة في المدينة، وأقامت حواجز ونقاط تفتيش على أطرافها؛ كان أشهرها الحاجز الرئيسي على طريق دير الزور من جهة الغرب. وبالرغم من نشأة الميليشيا في أوساط الشيعة الأفغان من قومية الهزارة، لا سيما منهم اللاجئين في إيران، إلا أنها أخذت بقبول متطوعين من جنسيات أخرى في كتائبها المنتشرة اليوم في سوريا؛ ففي مدينة تدمر يبلغ العدد الكلي التقريبي لعناصر ميليشيا "فاطميون" اليوم (500-450) عنصر، لا يزيد عدد الأفغان بينهم على (125-100) عنصراً، في حين يتوزع باقي العدد -بأعداد تقريبية- على السوريين من مختلف المحافظات ب (200) عنصر، والعراقيين ب (100) عنصر، والفلسطينيين ب(50) عنصراً.

يقود ميليشيا "فاطميون" في تدمر مقاتل أفغاني في الأربعينات من عمره يلقب ب"الحاج عبد الحق"، ويليه في قيادة الميليشيا مقاتل عراقي في نهاية الثلاثينات من العمر يعرف باسم "مهند الراهب"، ويتخذ القائدان إلى جانب قادة آخرين في الميليشيا من فندق وسط مدينة تدمر استولت عليه الميليشيا مسكناً لهم. في حين يتوزع كل (5) إلى (8) عناصر في منازل أهالي المدينة المهجرين، أو في غرف مسبقة الصنع قريبة من قاعدة القيادة الرئيسية والمقرات والنقاط العسكرية  والحواجز الأخرى للميليشيا.

تبدو ميليشيا "فاطميون" وحدة عسكرية شبه منظمة، حيث يتلقى عناصرها الأفغان والعراقيون والفلسطينيون رواتب شهرية بقيمة (500) دولار أمريكي تقريباً، فيما لا يزيد راتب العنصر السوري فيها على (100) ألف ليرة. وتتفاوت الكفاءة القتالية في صفوفها، حيث يتمتع الأفغان -خاصة منهم المقاتلين الأقدم- بخبرات ومهارات قتالية أوسع مما لدى العناصر المنتمين لجنسيات أخرى في الميليشيا. ويحصل العناصر السوريون والفلسطينيون السوريون على (5) أيام إجازة في الشهر، فيما يسافر الأفغان والعراقيون مرة واحدة أو مرتين في إجازات أطول.

حتى الآن ورغم التشكيل العرقي غير المتجانس تبدو الميليشيا منضبطة، فلم تسجل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة سوى حادثة شغب وشجار واحدة كبيرة يوم رأس السنة الأخير، احتج خلالها عناصر سوريون على الأعباء الزائدة في المناوبات والحراسة التي يكلفون بها- طُرد على إثرها ثلاثة عناصر سوريين من صفوف الميليشيا. وتترد روايات على نطاق واسع في مدينة تدمر أن ظاهرة الممارسة الجنسية المثلية (لواط) شائعة في أوساط "فاطميون"، حيث تقام حفلات يرتدي فيها أحد العناصر الأصغر سناً لباساً نسائياً، ويتسامح إزاءها قادة الميليشيا التي يحكي قائدها عن نفسه -حسب ما ينقل عناصر من  جيش النظام في تدم-، أنه يتخذ (3) عناصر لتلبية رغباته الخاصة.

ميليشيا "زينبيون"

شاركت ميليشيا "لواء زينبيون" الباكستانية في معركة مدينة تدمر، واستقرت بعض المجموعات منها في المدينة على مدى العامين الماضيين. ومثل "فاطميون" انضم متطوعون من جنسيات أخرى إلى صفوف الميليشيا الباكستانية، ففي تدمر التي يقدر العدد الكلي لعناصر "زينبيون" ب(200) عنصر تقريباً، لا يزيد عدد الباكستانيين على (70) عنصراً، فيما يشكل العناصر السوريون والعراقيون النسبة الأكبر المتبقية.

تفرض الميليشيا قيودا أكبر من التكتم والسرية على عناصرها، الذين يتحاشون الاختلاط بباقي جنود الميليشيات والقوات الأخرى، خاصة غير الشيعية منها: فلا يعرف أي اسم أو لقب ثابت لقائد "زينبيون". ويتمتع أفرادها -لا سيما الباكستانيين الأقدم في صفوف الميليشيا- بمهارات قتالية عالية، خاصة في أعمال القنص والاقتحام أثناء المعارك.

حزب الله

خلال العامين الماضيين تغير انتشار حزب الله اللبناني من شهر إلى آخر، وحسب تطورات المعارك وخطط الانتشار لكتائب الحزب على جبهات القتال في المدن والمحافظات السورية الأخرى، غير أن الحزب احتفظ بوجود دائم في تدمر لم ينقص خلاله عدد المقاتلين عن (50) عنصراً، وأحياناً زاد على (100) عنصر في مرات قليلة وأثناء التحضير لمعارك وحملات كبرى في البادية أو أثناء التوقف في الطريق إلى محافظة دير الزور.

]]>
نهاية كيان داعش.. فطام الوهم وتجذير الانتقام http://ayn-almadina.com/details/4758/4758/ar 4758 date2019-03-08 17:17:14 ayn-almadina تلاشى الكيان المتماسك الذي كان يحمل اسم "داعش"؛ كاختصار عنيد لحروفية التنظيم الإرهابي في قوته، وفي مركز تحوّلات تسمياته المتناسخة منذ انطلق كفكرة تمرد داخل تنظيم "قاعدة الجهاد" في العراق على يد أبو مصعب الزرقاوي، ليصبح "الدول...
نهاية كيان داعش.. فطام الوهم وتجذير الانتقام

نهاية كيان داعش.. فطام الوهم وتجذير الانتقام

رأي

تلاشى الكيان المتماسك الذي كان يحمل اسم "داعش"؛ كاختصار عنيد لحروفية التنظيم الإرهابي في قوته، وفي مركز تحوّلات تسمياته المتناسخة منذ انطلق كفكرة تمرد داخل تنظيم "قاعدة الجهاد" في العراق على يد أبو مصعب الزرقاوي، ليصبح "الدولة الإسلامية في العراق" عند مفصل أبو محمد البغدادي؛ حين كانت "الشام البعثية" تدعم التنظيم التكفيري بالمقاتلين والأسلحة في حرب العراق الأهلية الممتدة، كعامل منع استقرار للاحتلال الأمريكي في هذا البلد.

ووصل الأمر إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام" عند أبو بكر البغدادي، الذي عاد فبتر الجغرافيا المحددة النطاق تحت نشوة التمدد؛ لتصير "الدولة الإسلامية" في مطلق توهّم إعادة "الخلافة" وفق تصورات منقّاة ومصفّاة من بطون أصوليات عتيقة ومحدثة؛ تعيد الأمر كلّه إلى صراع لا ينتهي ضد الذات المسلمة في مواطنها -حيث يتترس الباطل- أولاً، وتالياً ضد الآخرين "الصائلين" و"القَعَدة" سواء بسواء.

ليس هذا مبحثا في ظروف وشروط تكون "داعش"، ولا في تنظيراته وبناه العقائدية، وعلى العموم فقد كتب الكثير في هذا وإن كانت لا تزال هناك مساحات هائلة من "عدم التعيين" التي تحاصر فهم هذا التنظيم. وما نحاول القيام به هنا هو قراءة في مآل الفكرة التي أسندت ظاهرة "داعش" كأحد أكثر التنظيمات الإرهابية إثارة للذعر في التاريخ المعاصر.

وفي تصورنا فإنّ التوصيف (الأكثر إثارة للرعب) يحتاج بدوره إلى تدقيق، فالواقع أنّ المقاربة التي ألصقت هذا الترتيب الأولي لـ"داعش"، تنطلق أساساً من صورة الوحشية المنفلتة التي قدمها التنظيم لنفسه عبر ماعرف بـ"إصدارات" دموية ومفزعة لعمليات قتل وإعدامات بشعة، نفذت بتقنية عالية على المستوى البصري، كما هي كذلك على مستوى تشخيص الضحية الخاضع.

لكن في القياس الرقمي، فإنّ "داعش" يحلّ ثانياً لجهة كونه الأكثر "رعباً" في سوريا بعد نظام حافظ الأسد وابنه القاتل الأكثر دموية في تاريخ هذا البلد منذ قرون طويلة، وهو يحلّ ثانياً كذلك لجهة عدد قتلاه من الغربيين، بعد "القاعدة" التنظيم الأم الذي شن أفظع هجوم إرهابي عرفه العالم في 11 سبتمبر 2001. غير أنّ شرط ولحظة ظهور "داعش" بصورته القصوى تزامن مع ثورات الربيع العربي وخصوصاً الثورة السورية، وهذا ما دفع التنظيم إلى حيز آخر في طريقة تفسيره وتظهيره.

صحيح بالقطع أنّ "داعش" قدّم صورة مروعة لإرهاب وحشي وعقليات قروسطية، ذبحاً وصلباً وتقطيعاً وحرقاً وتنكيلاً بالمجتمعات المحلية التي ابتليت بسطوته، لكنّه يفارق على نطاق معتبر تلك الحالة التملصية التي واكبت قوة "القاعدة". والتزامن مع ثورات الربيع العربي جعل التنظيم يقدم مجالاً أداتياً للأنظمة القمعية -وعلى وجه التحديد نظام بشار الأسد ورعاته الإيرانيين والروس- لدمغ المجتمعات المتمردة به.

وبينما كانت المسارات الإعلامية المواكبة لبروز "القاعدة" تقوم على نفي صلة التنظيم بواقع الحياة تحت سطوة هذه الأنظمة وإعلان "البراءة المضادة" منه، وهو فعل متكرر بسذاجة، فقد أحيل "داعش" إلى أن يكون "جزءاً" اجتماعياً مما تدّعي هذه الأنظمة مواجهته، ضمن ما تصفه البروباغندا الرسمية العسكرتارية والطائفية على أنّه دور الطغم الحاكمة في حماية العالم من خطر التطرف الشرقي الذي أنتج هذا التنظيم الإرهابي.

ومع أنّ كل هذه الانظمة -والبعثية منها أساساً- لاتقوم فعلياً بنفي المادة الخام للوهم الداعشي في سلوكها وخطابها "القومي"، فقد أحالت صورتها أمام الغرب إلى ما يشبه حرس غابة الوحوش المتطرفة التي ستنتج "داعش" دائماً إن حصلت على حريتها المنكرة.

الوهم الداعشي المتهاوي ليس وليداً منفصلاً عن الواقع بالتمام، فــ"دولة الخلافة" كيان قام وأحدث أثره الزماني والمكاني في حيزه التاريخي، غير أنّها لم تكن يوماً على الصورة التي "عفشها" التنظيم للتاريخ، وهي بالقطع ليست مطابقة للصورة المقابلة التي "عفشتها" أنظمة الوهم القومي العروبية لتاريخ ناصع وقوي للفاتحين العرب. التزوير المتقابل للأصوليات الفكرية التي تمد "داعش" وتفريخات القاعدة بمادتها الإيديولوجية، وللأصوليات القومية التي تقيم عليها أنظمة القمع بنيتها الملفّقة للحكم بضرورات إعادة بناء التاريخ مقابل تجاهل رزايا الحاضر، هو أحد الجسور التي أمدت "داعش" بما يحتاجه من تفسيرات شوهاء للدولة في حصاره الذاتي لعقل مسلحيه وأنصاره ومريديه.

و(الأكثر رعباً) هنا أنّ هذه الآليات ستظل قائمة، وهي قادرة على إعادة تذخير "داعش" أو اشتقاق تنظيم أكثر تطرفاً منه، إذ أنّ ثنائية الأصوليات الدينية والقومية تقيم مقاربة دائمة تعتبر المجتمعات المسلمة المعتدلة في غالبيتها الساحقة -والميالة ككل خلق الله إلى الحرية والعدالة والرخاء- مجرد مجاميع سلبية لا يحق لها أنّ تملك السلطة على ذاتها ومصيرها.

ومع أنّ نهاية "التنظيم" يجب أن تمثل فصلاً جديداً من "فطام الوهم"، إلاّ أن الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي حاق بهذه المجتمعات نتيجة ظهور "داعش" وقبله -وبموازاته وبعده- حرب الإبادة التطهيرية ضد أي نزعة تحرر أو انعتاق، ستجعل قدرة هذه المجتمعات على إعادة بناء اعتدالها المستقل عملية عسيرة ومكلفة، بعد أن بات هذا الاعتدال المستقل يصنَّف كتهديد للأنظمة التي تريد خضوعاً معتدلاً، يمنحها فرصة ترميم أدواتها المتطرفة استعداداً لعملية ابتزاز جديدة لعالم يرتعش عند ذكر "الإرهاب الإسلامي".

والحقيقة أن فطام الوهم "الداعشي" لم يترك ولو للحظة واحدة لآلياته الاجتماعية التلقائية التي يمكنها إنتاج بدائل  تفصل النزعة إلى الحرية والعدالة عن الحاجة إلى التطرف، وبينما يتهاوى "داعش" ويستسلم مقاتلوه بالمئات، أو يتوارون مؤقتاً لإعادة شن حربهم السرية ذات الأهداف الموضعية كما اعتادت القاعدة أن تفعل، فإنّ طوفاناً من التنظيرات المؤامراتية يجتاح المشهد مقدماً تفسيرات ساذجة وملفقة في معظمها لمصير التنظيم.

وفي العموم فإنّ ما يسمى بمعسكر الممانعة -وهو في جلّ تركيبته مكون من تنظيمات إرهابية تموّلها إيران- يدمن تقديم مثل هذه الجرعات الملفقة لأنصاره، وسنظل نقرأ طويلاً عن طائرات أميركية تنقل مقاتلي داعش من مكان لآخر من أجل تحطيم دول المعسكر المفلسة أصلاً، والتي كان لأنظمتها التعليمية دور أساسي في تأسيس وهم "داعش".

"داعش" ومثله "النصرة" وبقية اشتقاقات القاعدة هو في أحد وجوهه انقضاض الواهمين على منبع الوهم، وهو تحويل العجز البنيوي عن التطور -في ظل وجود القمع والطغيان المتخلف سياسياً واقتصادياً وحضارياً- إلى سلاح لإعادة إنتاج واقع منقرض لم تعد بيئة الحضارة الراهنة تسمح بوجوده. هو اليأس من جدوى الوضعي مقابل بريق الشرعي. انتصار لتبسيط الدولة على حساب الانتماء إلى حضارة كونية طالما كانت تقدَّم من قبل ثنائية الأصوليات على أنّها عدوة دائمة للإسلام والعروبة.

هناك دائماً سؤال عما بعد "داعش"، والواقع أنّ ثمّة تصورات عن تنظيم أكثر وحشية سيظهر في قابل الأيام، تقابلها تصورات عن تبدلات بنيوية في تركيب التنظيمات المتطرفة بعد أن نقلها "داعش" إلى ذروة جديدة. لكن هناك أيضاً "وهم" موازٍ حول مستوى تطوّر التنظيم عما سبقه، فداعش لم ينفصل عن منطق تداخل العنف بواجهته الدينية مع التخلف الاجتماعي، والتنظيم لم يخرج أيضاً عن عملية تقليدية قام بها أسلافه تستبدل هرمية النظم الاجتماعية التقليدية بإنتاج "عشيرة التنظيم"، وهي آلية اشتقها "داعش" من تجربة القاعدة وطالبان في باكستان وأفغانستان. وفي حين أنّها تعمل على مستوى تفكيكي يفيد قوة التنظيم خلال مرحلة تماسكه، فهي آلية خطرة حين تبدأ العمل بطور معاكس مع انحلال التنظيم، بحيث تعيد توزيع إرثه على عشائر بذاتها، وتنتج زعامات مركبة من العشائرية التقليدية التي تمنح نفسها سلطة مرجعية مهووسة بالانتقام من زعامات مقابلة ورثت تنظيمات كانت منافسة لداعش أو غيره.

والواقع أنّ هذا تجذير جديد للوهم ذاته، ستعززه حالة الفوضى وانحلال الدولة التي تحولت إلى قاتل متطرف، ولن تقدم حالة الحصار والانهيار، التي يحاول النظام في سوريا تغليفها بوهم الانتصار، سوى بيئة خصبة لكمون "الوهم الداعشي" بانتظار فرصة الانقضاض الثانية.

]]>
علي سليمان يونس.. ضابط المخابرات وأدمن صفحات الفيسبوك http://ayn-almadina.com/details/4759/4759/ar 4759 date2019-03-10 08:49:52 ayn-almadina في ضيعته ريحانة متور بريف جبلة، حيث يقيم منذ تقاعده قبل سنوات، يجد النائب السابق لرئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء علي سليمان يونس، وقتاً كافياً لإدارة صفحات "يوميات ريحانة متور" و"ريحانة متور" و"حافة جفوني" على الفي...
علي سليمان يونس.. ضابط المخابرات وأدمن صفحات الفيسبوك

علي سليمان يونس.. ضابط المخابرات وأدمن صفحات الفيسبوك

صياد المدينة

في ضيعته ريحانة متور بريف جبلة، حيث يقيم منذ تقاعده قبل سنوات، يجد النائب السابق لرئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء علي سليمان يونس، وقتاً كافياً لإدارة صفحات "يوميات ريحانة متور" و"ريحانة متور" و"حافة جفوني" على الفيسبوك، فضلاً عن نشاطه على صفحته الشخصية وفي مجموعة اجتماعية مغلقة أسسها لجمع أبناء الضيعة.

بالكاد تستوعب المنصات الخمس غزارة ما يصدر عن اللواء من ترهات، على شكل مواعظ وحكايات وشعر ونثر ونوادر من التاريخ والجغرافيا والعلوم، أو تستوعب الصور التي يلتقطها بعدسته للجبال والصخور والأشجار والمقامات التي تجعل ريحانة متور التي دفن فيها "الأولياء: الشيخ خليل البقبوقة، والشيخ أحمد القاضي، والشيخ حسن رمضان، وحكيم العيون الروحاني الشيخ علي بالديرة" وغيرهم، ضيعة مباركة، كما يصفها الأدمن يونس الملاحق من قبل المعجبين أنفسهم من صفحة إلى أخرى يشيدون بما "يخط يراع...أو تلتقط عدسة سيدي اللواء".

ومثل أي ناشط فيسبوكي، يشكو ضابط المخابرات العسكرية الذي تنقل بين مناصب هامة في عهد الأسد الأب وابنه، من ظاهرة النسخ واللصق والسرقات الأدبية، ويذكر لصوص "البوستات" بحقوق الملكية الفكرية التي يحفظها القانون. فيما يلتزم هو بذلك إلى حد يحفظ فيه حقوق كل من صفحاته الثلاث على الأخرى، عندما تشارك احداهن نصاً أو صورة نشرتها إحدى شقيقتيها!

ورغم اكتفاء اللواء يونس بما لديه من صفحات وجمهور، إلا أنه يطل أحياناً عبر الصفحات والمواقع الإعلامية التابعة لصديقه ضابط المخابرات ثم السفير السابق بهجت عيدي المعروف ببهجت سليمان الذي يطيب له وصف يونس بـ"الأديب الجنرال".

في آخر هذه الاطلالات هاجم يونس القائد السابق للوحدات الخاصة اللواء علي حيدر وشكك في "إخلاصه" لحافظ الأسد وصوّره كـ"مريد" تافه للشاعر علي سعيد إسبر الملقب بأدونيس الذي أمر حيدر أن يطالب حافظ الأسد بالتنحي عن السلطة بعد وفاة ابنه باسل، ما سيجلب المتاعب على حيدر ويتسبب في سجنه وتسريحه من الجيش.

أثارت هذه الاتهامات غضب أنصار حيدر وأبناء عشيرته الحدادين التي ينتمي إليها أدونيس أيضاً. وتصاعد الجدل رغم تحذيرات "العقلاء" من فتنة "عشائرية" بين الحدادين والنميلاتية العشيرة التي ينتمي اليها يونس، ويتهم بالتعصب الدائم لها من قبل أنصار حيدر.

قد تكون هجمة "النميلاتي" علي يونس ومعه "المرشدي" بهجت عيدي على الحداديَّين أدونيس وحيدر ذات دلالات تستمد بعض معانيها من نزاعات عشائرية ودينية تعود إلى عشرينات القرن الماضي، وقد تكون هذر متقاعدين فحسب، لكن المؤكد هو ضآلة شأن ضباط الأسد الكبار وصبيانية وعيهم، وضحالة إدراكهم للأشياء والحوادث والأشخاص والأفكار.

في سخفهم يبدد ضباط الأسد الظنون ببعض العقل وبعض الحكمة في تركيبة هذا النظام، ويسلبون حتى ما في الديكتاتورية من معنى.

]]>
عمل المرأة الإدلبية ومجالات جديدة تدخلها بعد الثورة http://ayn-almadina.com/details/4761/4761/ar 4761 date2019-03-12 12:53:13 ayn-almadina فتحت الثورة آفاقاً واسعة لعمل المرأة في إدلب، جعلتها تخرج أحياناً عن (النموذج القديم للمرأة الإدلبية) بهذه الدرجة أو تلك، حيث تمارس اليوم أعمالها القديمة إلى جانب أعمال يمكن أن ينظر إليها على أنها غير نمطية في المحافظة. لكن رغم انتشار منظمات تعمل على...
عمل المرأة الإدلبية ومجالات جديدة تدخلها بعد الثورة

عمل المرأة الإدلبية ومجالات جديدة تدخلها بعد الثورة

رادار المدينة

فتحت الثورة آفاقاً واسعة لعمل المرأة في إدلب، جعلتها تخرج أحياناً عن (النموذج القديم للمرأة الإدلبية) بهذه الدرجة أو تلك، حيث تمارس اليوم أعمالها القديمة إلى جانب أعمال يمكن أن ينظر إليها على أنها غير نمطية في المحافظة. لكن رغم انتشار منظمات تعمل على تدعيم هذا المسار فأعداد المنخرطات في المجال العام مازالت متواضعة، في ظل ظروف أمنية وانتشار أيديولوجيات تحاول تكبيل نشاط المرأة خارج المنزل.

مصادر خاصة من (منسقو الاستجابة) في الشمال السوري كشفت لعين المدينة أن نسبة النساء العاملات في إدلب 15% دون أي تفاصيل أخرى تخص الموضوع، وهي نسبة -في حال صحتها- لا بأس بها قياساً إلى التدهور في مجال الأعمال والبطالة التي يمكن تصور ضخامة أعداد الأيدي العاملة التي تركتها خارج سوق العمل واعتماد كلي أو جزئي على دعم المنظمات الإغاثية أو التحويلات من الخارج. بالتأكيد رفع عمل المرأة في (أرض العائلة) نسبة النساء العاملات إلى مجمل عددهن في المحافظة، وهو العمل الأكثر انتشاراً، لكن يبقى لمجالات العمل الجديدة التي أتاحتها الثورة ثقلها النوعي في حال لم يكن لها أثر كمي في الواقع.

تنتشر اليوم في إدلب منظمات وجمعيات ومكاتب خاصة بالمرأة مستقلة أو ضمن هيئات وتشكيلات أكبر، تسعى لزيادة مساهمة النساء في المجال العام ومحاولة دفعهن للمشاركة في العمل السياسي أو الثقافي أو المجتمعي؛ وأتاحت الثورة لمؤسسات ثقافية وإنسانية محلية وعالمية التواصل مباشرة مع الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء، إضافة لفتح أبوابها أمام طاقاتهن، لكن يبقى للواقع كلمته النهائية: هناك من جانب ظروف الحرب التي فرضها النظام وميليشياته وما يصاحبها من تدهور ضاغط على مستويات عدة، ومن جانب آخر الرقابة المضاعفة التي تفرضها الفصائل الإسلامية على الحياة العامة. جعل كل ذلك من اختراق المرأة لمجالات العمل الجديدة إنجازاً يحسب للثورة وناشطاتها في خلخلة الواقع الاجتماعي، حتى لو كان ذلك بأعداد ما زالت قليلة.

النماذج القديمة لعمل المرأة

لعل طبيعة المجتمع الإدلبي الذي يتسم بالبساطة ونموذج الحياة الريفية بالعموم، جعل من المرأة الإدلبية امرأة مكافحة كربة منزل إضافة لكونها مساندة للرجل في ظروف العمل، وتنقسم النساء في تلك الظروف إلى نموذجين من حيث طبيعة العمل، النموذج المتعلم العامل في وظائف حكومية، كالتعليم والتمريض والوظائف الإدارية في دوائر الدولة، في ظل نظرة ترى إلى هذه الوظائف كأعمال مناسبة للمرأة، في حين تقل دراسات الهندسة وبعض المجالات الأخرى التي تناسب حياة المدن الأكبر.

هذا ما أوضحته المعلمة عفاف السيد (إحدى نساء ريف إدلب الجنوبي) لعين المدينة، بقولها:"إدلب مجتمع ريفي بالعموم، ومجالات التوظيف فيه محدودة، الأمر الذي يجعلنا عندما نفاضل كي ننتقي الفرع الدراسي، نفكر أين سنتوظف. وجدت حينها أن التعليم هو الأنسب، فهو يعطيني الفرصة للتوظيف في بلدتي، وهذا ما جعلني أدرس الأدب الإنكليزي، وفعلاً عملت كمعلمة في مدرسة بلدتي وهذا مناسب لظروفي حياتي." أما النموذج الثاني فهو النساء العاملات، ويعتمد عملهن على الأعمال الزراعية بالغالب، سواء في حقول تخصهن أو حقول أخرى مقابل أجر مادي، وهذه الشريحة من النساء كانت شريحة لابأس بها، وخصوصاً أن أرياف إدلب أرياف زراعية توفر هذه الفرص للعمل بكثرة.


المجالات الجديدة ومدى انخراط النساء فيها

لكن انتشار التعاطي مع الإعلام بوسائله المتعددة -منذ بداية الثورة- والسياسة والإدارة في المناطق المحررة وانتشار منظمات المجتمع المدني، وتلك العاملة في المجال الإنساني، كان لها دور في إتاحة الفرصة للعنصر النسائي بإدلب للمساهمة بهذه الأعمال، يضاف إليه أن أعمالاً ضمن هذه المجالات تحتاج للنساء حصراً، إلى جانب استعداد النساء المنخرطات في العمل الثوري للخوض في تلك الأعمال الجديدة؛ تلاقت في هذا المجال جهود ناشطات متحمسات بإصرار المنظمات والجهات الداعمة على مشاركة النساء.

وكنتيجة لذلك انتشرت في المحافظة العديد من مراكز تمكين المرأة، وتعنى هذه المراكز بالرفع من إمكانيات النساء وتمكينهن من الانخراط بمجال العمل، من هذه المراكز (بارقة أمل)، (بصمة جانوديات)، (إشراقة الغد)، (إشراقة بسراقب)، (أنا إنسان) بحاس و(مكتب شؤون المرأة والطفل) بجبل الزاوية وغيرها. تقول فاطمة الحجي (مديرة مكتب شؤون المرأة ورعاية الطفل) لعين المدينة: "نحن في هذا المكتب نستهدف النساء والأطفال من مختلف المراحل العمرية، نعمل على تمكينهن في العديد من المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والمهنية، من خلال إطلاق العديد من التدريبات التعليمية والمهنية وندوات التوعية وجلسات الدعم النفسي. صار عملنا مصدر الإلهام لقصص نجاح عدد من النساء (اللواتي دخلن في تدريبات المكتب)"

حملت الثورة ثم ظروف الحرب تغيرات كبيرة في المجتمع السوري بالعموم، وكسائر المحافظات كان لإدلب نصيب كبير من هذه التغيرات، فكانت الحرب بمثابة واقع جديد، أنتج زوجات الشهداء وزوجات المعتقلين وزوجات المصابين، اللواتي صار عليهن أن يعيلوا بمفردهن أنفسهن وعائلاتهن في ظل الحاجة المادية العامة، الأمر الذي وضع نساء إدلب أمام تحديات أكبر، كما وجدت شريحة من النساء الراغبات أن يكون للمرأة دور فاعل في الثورة، وإثبات جدارتهن لإدارة وتلقي الدعم الذي تقدمه المنظمات.

ترى رشا شحاذ (مديرة مركز إشراقة الغد) في بلدة الغدفة التابعة لمعرة النعمان، أن الواقع الجديد في ظل الثورة أحدث العديد من التغييرات السلبية والإيجابية، وأن من أبرز النواحي التي تغيرت فيها طبيعة الواقع الجديد هو دور المرأة ومشاركتها، وهذا ما أوضحته لعين المدينة بقولها: "كانت الثورة وما تلاها من سنوات الانطلاق فرصة مناسبة لظهور قدرات النساء، والعمل على توظيف وتمكين هذه القدرات بشكل مناسب، وساعد في هذا توجه المنظمات الداعمة لتمكين المرأة". وعن تجربتها الشخصية قالت: "قبل انطلاقة الثورة كنت معيدة في جامعة دمشق، وفصلت قبل نهاية العام الأول للثورة، وبعد العودة لإدلب استطعت تحقيق الكثير من الطموحات في مجال تمكين المرأة، وكانت فرص العمل والنجاح متاحة لي."

أفسحت ظروف الحياة الجديدة المجال للمرأة الإدلبية للتواجد في قطاعات عمل لم تجربها سابقاً، كعمل المرأة بمجال الإعلام حيث توجه الكثيرون من الفئات العمرية الشابة لرصد انتهاكات النظام، وتعريف العالم بهذه الجرائم، وتقديم صورة مضادة لتلك التي يحاول الأسد لصقها بالثوار. شاركت النساء في هذا الجهد بأعداد قليلة، لكن المشاركة كانت فعالة في ترسيخ مصطلح ناشطة في إدلب، ومع تطور التعاطي مع الإعلام في المحافظة، وانتشار مئات الوسائل الإعلامية من قنوات وإذاعات ووكالات وجرائد ومواقع إخبارية، صار هناك فرص للمرأة الإعلامية أو الصحفية.

وجدت الراغبات في العمل الإعلامي والناشطات المتحمسات لهذا المجال دعماً على مستوى الدورات التدريبية من عدة جهات صحفية عالمية، كمعهد صحافة السلم والحرب وعدسات سوريا وغيرها من الجهات، وبحسب إحصائية أجرتها عين المدينة، فقد بلغ عدد اللواتي عملن بالصحافة 120 امرأة، ترك العمل منهن 45 امرأة، واستمر بالعمل 75 امرأة يزاولن المهنة حتى الآن، إضافة لوجود 150 طالبة ومتدربة في معاهد وكليات الصحافة والإعلام والدورات التدريبية يسعين لذات العمل.

تحدثت لعين المدينة الصحفية في جريدة حبر سلوى عبد الرحمن عن تجربتها قائلة: "كنت أهتم بمتابعة الأخبار السياسية المتعلقة بالشأن السوري قبل عملي بالصحافة، واقترحت علي زميلة لي فكرة كتابة تقرير لوسيلة إعلامية. أثنى مدير المؤسسة على تقريري بعد إنجازه حينها، فتشجعت وخضعت لدورة تدريبية في الإعلام وتابعت العمل فيه، صرت بعدها -لتطوير أدوات الكتابة- أهتم أكثر بجمع المعلومات الاجتماعية والسياسية والطبية والثقافية والجغرافية والتاريخية."

إضافة إلى ذلك نشأ في محافظة إدلب عدة تجمعات سياسية، اتخذت من الداخل السوري بيئة لرفد كوادرها وتكوين أجسادها، وكان أهمها (حركة نداء سوريا) و(الهيئة السياسية بإدلب) و(تجمع سورية الثورة)، دخلت المرأة هذه التجمعات السياسية بأعداد لا تتجاوز العشر نساء في بدايات تأسيسها، ثم ما لبث أن تشكل في كل حركة سياسية مكتب خاص بالمرأة. وتختلف أعداد النساء من مكتب لآخر، كذلك تتفاوت أهمية مشاركتهن بالقرار السياسي الفعال من حركة إلى أخرى، حيث يضم مكتب المرأة في الهيئة السياسية -حسب مديرة المكتب حسناء تمرو- 50 عضواً، كما يضم مكتب المرأة في تجمع سورية الثورة عدداً مقارباً له، أما حركة نداء سورية فيضم مكتب المرأة فيها على 150 عضواً، حسب فضيلة خشاف مديرة مكتب التنظيم في الحركة.

]]>
التعليم الافتراضي في المناطق المحررة تحت الاختبار http://ayn-almadina.com/details/4762/4762/ar 4762 date2019-03-13 09:33:38 ayn-almadina استطاعت الجامعات الافتراضية أن تحجز لها مكاناً عند شريحة كبيرة من الطلاب السوريين، لاسيما أبناء المناطق التي تعرضت لحصار خلال السنوات الأخيرة، لكن يبقى الاعتراف بالشهادة التي تمنحها تلك الجامعات موضع جدل، إن لم يكن موضع تشكيك الكثيرين. أجبرت ظروف ...
التعليم الافتراضي في المناطق المحررة تحت الاختبار

التعليم الافتراضي في المناطق المحررة تحت الاختبار

رادار المدينة

استطاعت الجامعات الافتراضية أن تحجز لها مكاناً عند شريحة كبيرة من الطلاب السوريين، لاسيما أبناء المناطق التي تعرضت لحصار خلال السنوات الأخيرة، لكن يبقى الاعتراف بالشهادة التي تمنحها تلك الجامعات موضع جدل، إن لم يكن موضع تشكيك الكثيرين.

أجبرت ظروف الحرب والحصار طلاباً سوريين كثر على الانقطاع عن حياتهم الدراسية، فيما حظي البعض بمحاولة استكمالها عن طريق الجامعات التي أعيد إنشاؤها في المناطق المحررة. يعيد فادي شباط (طالب يدرس في جامعة رشد الافتراضية) سبب التحاقه بالجامعة إلى قراره استثمار الحصار بالدراسة، في الفترة التي فُرض فيها على منطقته في جنوب دمشق من قبل نظام الأسد وحلفائه، وبما أن المنطقة لا يتوفر فيها جامعات، كان خيار الالتحاق بجامعة رشد هو الأفضل، بحسب ما استنتج.

لم يناقش شباط كثيراً نقطة الاعتراف بالشهادة، معللاً بأن طموحه "ليس مجرد شهادة ووظيفة، وإنما اكتساب معلومات تساعده في الحياة العملية" وقد وجد ضالته في رشد، حيث (تتوفر معلومات قيمة وطريقة سهلة للدراسة) "عدم الالتزام بدوام أفضلها" قال محدثنا.

تعرّف "رشد" عن نفسها أنها تتبع للجامعة الآسيوية العالمية، وبحسب نشطاء فإن ادعاءها موضع شك، وقضية الاعتراف بالشهادة الصادرة مازال مبهماً. لكن تعتبر جامعة رشد الافتراضية التي أسست في العام 2012 من أكثر الجامعات الافتراضية التي جذبت الكثير من الشباب السوري لسهولة التسجيل فيها وانخفاض تكلفته وتقديمها منحاً قد تصل إلى خصم 100%

المهندس ملهم دروبي (مدير الجامعة) وخلال حديثه لعين المدينة قال "إن الجامعة وقعت اتفاقاً مع وكيل جامعة آسيا العالمية بالشرق الأوسط منتصف 2013، كما أنه تم تعزيز الاتفاقية بداية العام 2019 لتجعل التعاون التعليمي مع الجامعة بشكل مباشر في مقرها الرئيسي في سيلانجور (منطقة سوبانج جايا)- ماليزيا." وأشار بالقول "لا يهمنا برشد ما يقوله الآخرون، نحن واثقون من صحة وقانونية ما نفعله لمصلحة تعليم بناتنا وأبنائنا، هذا كل اهتمامنا ولا يعنينا سوى ذلك".

لكن قرارات تركيا بخصوص الجامعات التي تفتتح فروعاً لها على أراضيها تلقي بظلالها على المشهد التعليمي السوري الخاص، إذ تشكل فرص العمل في تركيا أفقاً للكثير من الخريجين، في وقت أصدر فيه مجلس التعليم العالي في تركيا قراراً برفض الاعتراف بالكثير من الجامعات المفتتحة على أراضيها، مستنداً إلى القوانين التي (تشترط على أية جامعة أجنبية ترغب بمزاولة نشاطها في تركيا أن يتم الاعتراف قانونياً بالأفرع التي تم افتتاحها من قبل بلد المنشأ والبلد الذي تزاول الجامعة نشاطها فيه) كما تداولت وسائل الإعلام منذ فترة.

يعترف باسل مراد مدير البرامج بجامعة رشد، أنه على مدار سبع سنوات لم تعلن الجامعة أن شهادتها معتمدة في تركيا أو في أي دولة أخرى، موضحاً أن "هدف رشد ليس تجارياً ولا لتوزيع (الكرتونة- الشهادة) وإنما لإيصال العلم لمن حالت الظروف دون إكمال تعليمه، والسعي لرفع (ثقافة شعبنا) في شتى المجالات، بالإضافة إلى (صقل مهاراته) ليكون مهيأً للانخراط بسوق العمل وإعادة البناء".

تضم الجامعة عدة برامج مثل دبلوم العلوم السياسية والمحاسبة وإدارة الأعمال وبكالوريوس الإدارة الحكومية وتقنية المعلومات، بالإضافة إلى دبلوم لغة إنكليزية وتأهيل تربوي؛ مدة الدارسة بالجامعة تتراوح بين عامين إلى ثلاثة أعوام مقسمة على عدة فصول دراسية، ويكون تلقي الدروس عبر الإنترنت بشكل كامل ضمن محاضرات تفاعلية مباشرة ومحاضرات مسجلة.

بعد امتحانات عبر الإنترنت كذلك، يمنح الطلاب المتخرجون (شهادات مهنية) يمكنهم تصديقها عبر الجامعة الآسيوية، بحسب (مراد) الذي بيّن أن "تخرج الطلاب من رشد غير مربوط بطلبهم شهادة آسيا، وإنما خيار يختاره من يرغب بكامل حريته، ويعتبر هذا الشق الأول من الاتفاقية الموقعة مع الجامعة الآسيوية". أما الشق الثاني فهو تحصيل

منح عالية لمن يرغب في الدراسة في آسيا بشكل مباشر، ويحصل على شهادة أكاديمية معترف بها في (وكالة التأهيل الماليزية MQA)، كما يقول.

لم يكن اختيار الطالب عبد الرحمن (من جسر الشغور) لجامعة رشد اضطرارياً، ولكنه وجد فيها الاختصاص الذي أحبه (العلوم السياسية) "اخترت جامعة رشد لأن فيها الاختصاص يلي بحبه.. ما فكرت بموضوع الاعتراف" يقول عبد الرحمن الذي أكمل عامه الثاني ضمن الجامعة. ويصف منهاج الجامعة بالضخم المليء بالمعلومات وأبدى إعجابه بالدروس التفاعلية والكادر المميز كأمثال الدكتور عصام عبد الشافي. ويمكن لعبد الرحمن استكمال دراسته ضمن جامعة إدلب التي تستقبل طلاب الجامعات الافتراضية، ومن ضمنها رشد، على أن يحقق الطالب في مجموعه بالثانوية الحد الأدنى للقبول في مفاضلة الجامعة في العام الذي يريد أن ينقل فيه؛ كما يعود هذا الموضوع لمكافأة المقررات التي درسها الطالب في رشد لمواد جامعة إدلب.

]]>
ألتراس تشرين .. فرقة عسكرية على المدرجات «تحارب الفساد» حيناً وتضرب الحكم أحياناً http://ayn-almadina.com/details/4763/4763/ar 4763 date2019-03-14 10:21:51 ayn-almadina لا يعرف صحفيو ولجان التقييم في صحيفة لاغرينتا الفرنسية "La Grinta" المختصة بكرة القدم، الكثير من التفاصيل عن نادي تشرين الرياضي، إلا أنهم صنّفوا إحدى لوحات التيفو في النادي كثالث أفضل تصميم ثلاثي أبعاد عرض في ملاعب العالم خلال الأسبوع قبل ا...
ألتراس تشرين .. فرقة عسكرية على المدرجات «تحارب الفساد» حيناً وتضرب الحكم أحياناً

ألتراس تشرين .. فرقة عسكرية على المدرجات «تحارب الفساد» حيناً وتضرب الحكم أحياناً

رادار المدينة

لا يعرف صحفيو ولجان التقييم في صحيفة لاغرينتا الفرنسية "La Grinta" المختصة بكرة القدم، الكثير من التفاصيل عن نادي تشرين الرياضي، إلا أنهم صنّفوا إحدى لوحات التيفو في النادي كثالث أفضل تصميم ثلاثي أبعاد عرض في ملاعب العالم خلال الأسبوع قبل الماضي، ومن المعروف عن الموقع أنه ينتقي كل أسبوع 10 لوحات عملاقة ثلاثية أبعاد في ملاعب العالم ليصنفها وفق الحجم والمحتوى.

لوحة التيفو التي صنفت كانت تحمل صورة سفينة وأمواج، وصفها القائمون على إدارة ألتراس تشرين (رابطة مشجعي نادي تشرين)، بأنها تمثل بحّارة تشرين وهم يتجاوزون أمواج الدوري، موجة تلو الأخرى، وقد رُفعت اللوحة في "ملعب باسل الأسد" في اللاذقية، الذي اعتاد الألتراس على رفع لوحات فيه- كثير منها حمل أبعاد طائفية وسياسية؛ وهو الألتراس ذو الشهرة الأكبر على صعيد روابط مشجعي الأندية السورية بالممارسات التي فاقت المعقول في بعض الأحيان، فيما تتميز لوحاتهم وأعمالهم الفنية المرافقة لمباريات ناديهم دائمأً بالحجوم العملاقة والبذخ، وتتميز ألعابهم النارية المستخدمة خلال المباريات وقبلها وبعدها بالعنف، وقدرتها على تحويل المباريات إلى ساحات قتال، وهو ما لا يبدو غريباً عن مشجعي نادٍ أهم صفاته أنه مملوك من قبل شخصيات مقربة من آل الأسد، ومحسوب على الطائفة العلوية في اللاذقية، ومدعوم من قبل مختلف ميليشيات الشبيحة والدفاع الوطني في الساحل ودمشق.

يمتلك "ألتراس الصقور" أو "ألتراس البحارة" -كما يسميه مشجعو النادي أنفسهم- من الجرأة ما يكفي ليرفعوا لوحات عملاقة تتهم الاتحاد الرياضي العام بالفساد، مرفقة بصورة بشار الأسد بالطبع، وتقول "سوا منحارب الاتحاد الرياضي الفاسد"، كما يمكنهم في مباراة أخرى أن يطالبوا بعدم استخدام حكم دمشقي في المباراة التي يخوضها ناديهم، فيما يمكن لرئيس الألتراس معاوية جعفر أن ينزل إلى أرض المباراة ويقوم بضرب الحكم علانيةً وأمام الكاميرات، بسبب احتسابه هدفاً سجله فريق النواعير "الحموي" على تشرين "اللاذقاني"، فيما يحمل أعضاء الألتراس -الذين باتوا أكثر من ألف عضو- مسؤولية الاشتباك مع جمهور أي نادي عقب أية مباراة، مستخدمين فيها ما شاؤوا من أسلحة بيضاء داخل الملاعب، وغير بيضاء خارجه.. بالتأكيد يمكنهم ذلك فغالبية أعضاء الألتراس هم أعضاء في ميليشيات تحكم الساحل السوري ككل بالأسلحة ذاتها.

شهرة ألتراس نادي تشرين بدأت تتجاوز الحدود المحلية، مع تصنيف "الكراكاج" (احتفالية الألعاب النارية) الذي قدمه خلال مباراته مع نادي الجيش في شهر كانون الأول الماضي، كأحد أكبر عروض الكراكاج في غرب آسيا، فيما كان تصوير هدف تشرين في المباراة باستخدام الدرون هو الأول من نوعه في المباريات السورية.

على الرغم من منع ظاهرة الألتراس في سورية رسمياً، واعتبارها "غريبة عن الثقافة المحلية السورية"، "ودخيلة على أساليب التشجيع وتنظيم جماهير الأندية"، إلا أن ألتراس تشرين يتحدى بصرامة أي مؤسسة رسمية رياضية أو غير رياضية، ويعلن عن نفسه بأنه ألتراس حقيقي، يدعو إلى تنظيم جمهوره، وتسليحه بأدوات التشجيع، التي تختلف عما هو معروف وتقليدي بالنسبة لمشجعين كمشجعي تشرين، كما يدعو إلى زيادة عدد أعضاء الألتراس، ويتحدى الاتحاد الرياضي بكل عناد، على الرغم من العقوبات التي نالها مراراً وتكراراً من الاتحاد، فيما تبدو معركة الاتحاد مع ألتراس الصقور حقيقية.

قد لا يصمد فيها موفق جمعة، رئيس الاتحاد المعروف بالقوة والتنفّذ في أروقة النظام السوري، وامتلاك مفاتيح الاتحاد منذ سنوات طويلة، أمام ألتراس نادٍ قادر أن يتحول إلى فرقة عسكرية منظمة ومسلحة ومذخّرة، يمكنها تحويل أي مباراة إلى معركة بالرصاص الحي إن شاءت.

]]>
ظاهرة التشيع في مدينة اللاذقية .. التميّز والشعور بالأهمية سببان يضافان إلى الأسباب المادية http://ayn-almadina.com/details/4764/4764/ar 4764 date2019-03-15 18:28:50 ayn-almadina رغم وجود ظاهرة التشيع في مدينة اللاذقية الخاضعة لسيطرة قوات النظام قبل اندلاع الثورة بسنوات لكنها لا تقارن بما يحدث الآن، حيث شهدت المدينة خلال العاميين الماضيين ارتفاعاً كبيراً في عدد الأسر التي دخلت إلى المذهب الشيعي وسط تشجيع من قبل النظام وغياب ل...
ظاهرة التشيع في مدينة اللاذقية .. التميّز والشعور بالأهمية سببان يضافان إلى الأسباب المادية

ظاهرة التشيع في مدينة اللاذقية .. التميّز والشعور بالأهمية سببان يضافان إلى الأسباب المادية

رادار المدينة

رغم وجود ظاهرة التشيع في مدينة اللاذقية الخاضعة لسيطرة قوات النظام قبل اندلاع الثورة بسنوات لكنها لا تقارن بما يحدث الآن، حيث شهدت المدينة خلال العاميين الماضيين ارتفاعاً كبيراً في عدد الأسر التي دخلت إلى المذهب الشيعي وسط تشجيع من قبل النظام وغياب لأي مانع أو رقابة للحد من هذه الظاهرة.

من الممكن الحديث عن أسباب كثيرة وراء التشيع، أبرزها الوضع المادي السيء وانتشار الجهل والفقر، فالقائمون على ظاهرة التشيع يعملون على استغلال حاجات الناس ويقدمون الكثير من المغريات والتسهيلات المادية، لكن تبقى أسباب معنوية أخرى بعيدة عن المناقشة- يأتي في مقدمتها المكانة الرمزية والشعور بالأهمية التي يحوزها المنتسبون إلى المذهب الشيعي وسط جو عام تفرضه استعانة النظام في حربه ضد معارضيه بالمقاتلين الجذريين من شيعة لبنان وإيران.

يتزامن هذا الوضع مع بناء عدد كبير من الحسينيات داخل أحياء المدينة وفي القرى المحيطة بها كعين التينة ودمسرخو، فضلاً عن "جامع الرسول الأعظم" في حي شريتح الذي يعتبر من أهم المعالم الدينية للشيعة في اللاذقية، فلهذا البناء أنشطة مختلفة دينية ودعوية وسياسية وإغاثية وإنسانية، ففيه يجتمع الأطفال بشكل دوري ويحضرون "دروس ومحاضرات" عن المذهب الشيعي مع تقديم الكثير من الهدايا والألعاب وإجراء مسابقات لهم، ويتم عبره تقديم مساعدات بشكل دائم لذوي الجرحى والقتلى في المدينة.

يتحدث الناشط من مدينة اللاذقية محمد عبدالله لعين المدينة، أن الأسر التي تختار التوجه نحو الطائفة الشيعية تتوزع بين العلويين والسنة، وكل أسرة أو شخص له أسباب ودوافع مختلفة ولكن النسبة كبيرة، "نحن نسمع عن عشرات الأسر شهرياً التي تعلن انتماءها لهذا المذهب، وبعضهم يبدأ بتعلم اللغة الفارسية فالتغيير يحدث على كافة الأصعدة الثقافية والدينية والعادات اليومية والعمل". ويتزامن التشيع مع عزلة كاملة للأسر المنخرطة فيه، فتقتصر لقاءاتها على الأسر الشيعية الأخرى، بعد أن يكونوا قد قطعوا علاقاتهم بشكل كلي تقريباً مع المجتمع المحيط من أقارب أو جيران، رغم محاولتهم إخفاء تشيعهم.

يتابع الناشط في وصف التغيرات التي تطرأ على المتشيعين بأن النساء ترتدي النقاب وتمتنع عن مجالسة الرجال أو الخروج من المنزل، كذلك يقومون بشكل مباشر بمنع الأطفال من الذهاب إلى المدارس، ليقتصر التعليم على الحسينيات وجامع الرسول الأعظم، الذي يوفّر منح دراسية إلى إيران، ويرى أن أغلب المناطق التي تنتشر فيها ظاهرة التشيع هي الأحياء الشعبية الفقيرة كحي الرمل الجنوبي والشمالي والشاليهات والمشاريع والقرى العلوية المحيطة باللاذقية، فيما يلعب التجنيد في الكتائب التابعة ﻹيران وحزب الله دوراً كبيراً في تشيع الشبان الذين يحصلون على رواتب مرتفعة تصل إلى 300 دولار، وحصول عوائلهم على مساعدات شهرية ومنازل ورواتب من قبل الجهات التي تعمل على نشر المذهب.

ففي حين يعاني أهالي مدينة اللاذقية بشكل كبير من سوء الخدمات والنقص في كافة حاجاتهم الأساسية، تحظى الأسر الشيعية بكل ما يحتاجه أفرادها من رعاية صحية إلى مواد التدفئة خلال فصل الشتاء ومساعدات إغاثية، بحسب ما يرصد جيران وأقارب بعض العوائل التي تشيعت، "فالعمل منظّم والهدف في زيادة العدد يتم من خلال تمييزهم عن كافة سكان المدينة الآخرين"، يصل التمييز إلى وعود العازبين بالزواج والدراسة وتأمين منازل وفرص عمل، وسط معلومات عن السعي لإنشاء كلية شيعية داخل جامعة تشرين في اللاذقية.

عماد فايز أحد الشبان الذين انضموا إلى المذهب الشيعي قبل اندلاع الثورة بعدة سنوات داخل مدينة اللاذقية، كان وقتها يسكن حي الرمل الجنوبي، ويعاني وضعاً مادياً سيئاً بسبب عدم قدرته على تأمين عمل لنفسه في وسط لا ينظر كثيراً في أوضاع مشابهة لوضعه، فهو شاب غير متعلم ومن أسرة عادية لا تملك أي واسطة أو محسوبيات في الدولة، لديه ثلاثة أطفال وفي أغلب الأيام كان أولاده ينامون دون طعام. عبر أحد أصدقائه عُرض عليه الدخول في المذهب الشيعي مقابل راتب شهري مقداره عشرة آلاف ليرة سورية حينها، وافق عماد على الفكرة لتتغير مظاهر حياته من ذلك الوقت: تغيير أسماء أطفاله بعد اختيار أسماء جديدة تتناسب مع طائفته والتوقف عن إرسالهم إلى المدرسة، والبدء بإنجاب إخوة لهم دون أي تسجيل أو اعتراف بهم في القيود الرسمية للسجلات المدنية، وإزالة التلفاز من منزله، ومنع زوجته من الخروج ومقابلة أي شخص حتى أقرب الناس لها كأخوتها.

حاول عماد أيضاً إقناع باقي أفراد أسرته بالانضام إلى المذهب، وكان يضغط عليهم ويفتعل المشاكل معهم بشكل يومي لذلك الغرض، لكن كان الأمر غريباً بحسب أحد أخوته، الذي كان يستغرب كل التفاصيل الجديدة في حياة أخيه، منها عدم تناوله أي طعام يحتوي لحوم من منزل أخوته، ويبرر ذلك بأنه يأكل اللحم الذي يُقدّم له من قبل من يعمل معهم لأنهم "يذبحونه بطريقة خاصة على الدين الصحيح"، كذلك كان يضع الكثير من الصور والرموز الدينية ويستمع للأغاني واللطميات بشكل دائم. أُجبر عماد على ترك منزله في حي الرمل والتوجه نحو حي الست زينب في دمشق مع بداية الثورة مع سيطرة الثوار على حي الرمل الجنوبي، ثم عاد مجدداً بعد هدوء الوضع وسيطرة النظام على الحي.

وتلعب الأسر النازحة والوافدة خلال سنوات الحرب إلى اللاذقية دوراً كبيراً في التشيع، من خلال دخولهم السريع في المذهب والعمل على نشره أيضاً، فهناك عدد من النساء من مدينة حلب يتوجهن بشكل يومي نحو الأحياء الفقيرة والأرياف في محيط اللاذقية، ويعرضن على الأرامل -خاصةً- مبالغ مالية كبيرة وراتب شهري ثابت مقداره مئة ألف ليرة سورية (ما يعادل مئتين دولار أمريكي) مقابل التشيع، بحسب ما يفيد البعض، بينما يقوم بعض المشايخ والمثقفين من أبناء اللاذقية بحملات توعية تستهدف الشباب للحد من هذا الأمر، والحديث عن مدى خطورته على المجتمع وعلى باقي الطوائف، ولكنها تظل بشكل سري من خلال نصح الأقارب والمعارف والجيران، خوفاً من الاعتقال الذي قد يطال كل من يقف في وجه تمدد إيران وحزب الله.

يوضح سالم (أحد الشباب الذي ترك اللاذقية قبل عدة أسابيع وتوجه نحو مناطق المعارضة) لعين المدينة، أن وضع المدينة و"الخليط الاجتماعي" الذي يعيش فيها يلعب دوراً في الظاهرة، فهناك مئات الأسر الإيرانية والشيعية القادمة من لبنان مع المقاتلين من البلدين، وتستقر في بعض أحياء المدينة، إضافة إلى العوائل التي جاءت من كفريا والفوعة، والأسر الفقيرة النازحة من محافظات حلب وحماة ومن الريف، ومئات العوائل من ذوي القتلى وأسر المعتقلين، قسم منها مشرد في الطرقات وتعاني غالبية منها الفقر والجهل، ما يمنعها من الوقوف على خطورة الأمر في المستقبل، مشيراً إلى أن القائمين على أعمال التشيع يلعبون على عدة أمور، أخطرها الفرض على كل أسرة تدخل في المذهب الشيعي إدخال عدد من الأسر الأخرى كواجب عليها.

وعن غياب دور النظام في وقف المد الشيعي فقد أكد الشاب، أن أولويته حالياً هي القضاء على المعارضة، و "المقاتلون الشيعة يحاربون إلى جانب النظام وهو لا يريد أن يخسرهم، لذلك لهم الحرية في كل ما يقومون به دون خوف أو رادع؛ بينما ينتشر الحذر والخوف الشديد بين الأهالي حين يمارسون الطقوس الدينية بالطريقة التي ورثوها، عدا عن خوفهم من التحذير من خطر التشيع على التركيبة الاجتماعية".

]]>
‏‫طرطوس.. الصدارة في التلوث والإهمال والأورام الخبيثة‬ http://ayn-almadina.com/details/4765/4765/ar 4765 date2019-03-19 08:05:45 ayn-almadina في كل عام تحتل محافظة طرطوس الصدارة على مستوى سوريا بعدد المصابين بمرض السرطان، وتكرر مديرية الصحة فيها إصدار الأرقام المفاجئة، وتصدر سنوياً تعقيباً متعلقاً بالأسباب التي كثيراً ما تكون غير مفهومة. أحد تعقيبات الصحة الملغزة في طرطوس قولها مثلاً &q...
‏‫طرطوس.. الصدارة في التلوث والإهمال والأورام الخبيثة‬

‏‫طرطوس.. الصدارة في التلوث والإهمال والأورام الخبيثة‬

رادار المدينة

في كل عام تحتل محافظة طرطوس الصدارة على مستوى سوريا بعدد المصابين بمرض السرطان، وتكرر مديرية الصحة فيها إصدار الأرقام المفاجئة، وتصدر سنوياً تعقيباً متعلقاً بالأسباب التي كثيراً ما تكون غير مفهومة.

أحد تعقيبات الصحة الملغزة في طرطوس قولها مثلاً "سبب ارتفاع المعدل في منطقة طرطوس يعود لأن أغلب المرضى مجهولي مكان الإقامة، ويتم تسجيلهم في طرطوس!"، بالإضافة إلى دعوتها للقيام بمسح بيئي لمعرفة الأسباب الكامنة وراء تفاقم الإصابات بالأورام وارتفاع المعدل سنوياً فيها. "في كل يوم يتم تسجيل إصابات جديدة، ومع تزايد الأعداد تتردى العناية الطبية، وتقل أسرَّة المشافي العامة، ويصعب الحصول على الدواء" يقول مروان البانياسي الذي راجع "مشفى الباسل" في طرطوس عدة مرات مصطحباً عمَّه المصاب بورم خبيث.

الأرقام التي كانت تسجَّل في مشافي طرطوس وعبر مديرية الصحة فيها منذ عام 2010 وحتى 2016 كانت تزيد عن 1200 مصاب سنوياً، فيما بدأت الإصابات خلال العامين الأخيرين لا تتجاوز الـ 300 حالة، وهو ما لا يحمل دلالة نهائياً على انخفاض أعداد المصابين فجأة، وإنما هو نتيجة توجه المصابين إلى محافظات أخرى للمعالجة، بعد التردي الكبير الذي شهده قطاع العلاج من السرطان في طرطوس، وأكبر دليل على ذلك تضاعف أعداد المرضى في محافظات أخرى كاللاذقية ودمشق جراء استقبالهم للإصابات القادمة من طرطوس.

في طرطوس حتى اليوم لا يوجد مركز علاج بالأشعة، وأغلب المشافي تعتذر عن إعطاء المرضى أدويتهم وتطلب توجههم إلى المشافي الخاصة أو المحافظات الأخرى، فيما يحتل خبر مشاريع توسعة "مشفى الباسل" وإيجاد مراكز عامة لعلاج السرطان في طرطوس أماكن شبه يومية من الصحف المحلية، وهي ما اعتاد عليه القطاع العام في سوريا عند ورود شكاوى: أي ربط الحل بعجلة التطوير، والطلب من الجمهور الانتظار فقط.

"من الغريب أن تحتل طرطوس حتى اليوم الصدارة في الإصابات السرطانية في سوريا، على الرغم من أنها المحافظة الناجية إلى حد ما من الأعمال الحربية، واستخدام الأسلحة المختلفة التي أسهمت بقوة في ازدياد الإصابات في محافظات أخرى كريف دمشق ودير الزور وإدلب وحلب" يقول أحد فنيي الأشعة الذي عمل في مركز لعلاج الأورام السرطانية في اللاذقية، ويضيف "كان الحديث الدائر بشكل شبه يومي في المركز الذي كنت أعمل به هو أسباب ارتفاع أعداد المصابين في الساحل السوري بهذا المرض وخاصة طرطوس، إلا أن ذوي الخبرة والمعرفة بحال المحافظة من أطباء ومختصين كانوا دائمأً يشيرون إلى دور مرفأ طرطوس ومخلفات السفن النفطية وزيوت التشحيم من جهة، ومصفاة بانياس من جهة أخرى ومخلفاتها من مواد كيماوية أدت إلى أثر تراكمي على البيئة وعلى البحر وكائناته".

يقول عمار يوسف من سكان ريف طرطوس "يعرف جميع سكان طرطوس أن الهواء ملوث بشكل كبير في محافظتهم، وبإمكانك تنشق هذا التلوث بمجرد هبوب رياح غربية نحو ريف الساحل والمنطقة الجبلية، فعادةً ما تكون تلك الرياح محملة بالتلوث القادم من المصفاة وغيرها، لا تسبب السرطانات فقط، بل إن غالبية الإنتانات الرئوية والإصابات الجلدية في طرطوس هي بسبب بيئتها التي لا تلقى مجرد انتباه من السلطات".

تمتلئ مشافي طرطوس بمصابين بمختلف أنواع الأمراض والإصابات، ويظهر مشهد طوابير المرضى الذي تشهده "مشفى الباسل" تجلياً مختلفاً من تجليات المأساة السورية بشكل عام، هنا يقف فاقدو أطراف خرجوا من المعارك ينتظرون أدويتهم وأطرافهم الاصطناعية، وهناك يقف مرضى الأورام ليحصلوا على أوراق إحالتهم إلى مستشفيات ومراكز أخرى؛ في محافظة سميت في فترة من الفترات خزان الجيش السوري، لونها اليوم أسود قاتم وحلم سكانها مركز صحي مخدّم واسطوانة غاز.

]]>
«الأسلحة المخبأة» ذريعة النظام لسلب الأموال شمالي حمص وأعداد الملتحقين بجيشه بازدياد http://ayn-almadina.com/details/4766/4766/ar 4766 date2019-03-20 13:25:36 ayn-almadina عقب انتهاء مهلة الستة أشهر الواردة في اتفاق التسوية الذي أبرم بين فصائل الجيش السوري الحرّ وقوَّات الأسد في ريف حمص الشمالي، وعودة الهدوء إلى المنطقة وتوقف عمليَّات القصف، تفرَّغت شبيحة النظام التابعة للأفرع الأمنيَّة المتعدَّدة لعمليَّات السلب والنه...
«الأسلحة المخبأة» ذريعة النظام لسلب الأموال شمالي حمص وأعداد الملتحقين بجيشه بازدياد

«الأسلحة المخبأة» ذريعة النظام لسلب الأموال شمالي حمص وأعداد الملتحقين بجيشه بازدياد

رادار المدينة

عقب انتهاء مهلة الستة أشهر الواردة في اتفاق التسوية الذي أبرم بين فصائل الجيش السوري الحرّ وقوَّات الأسد في ريف حمص الشمالي، وعودة الهدوء إلى المنطقة وتوقف عمليَّات القصف، تفرَّغت شبيحة النظام التابعة للأفرع الأمنيَّة المتعدَّدة لعمليَّات السلب والنهب من الأهالي بطرق مباشرة تارةً، وعن طريق الترهيب والنصب تارةً أخرى، ما سبَّب حالةَ استياءٍ كبيرة بين الأهالي دون أن يجرأ أحد منهم على الاعتراض، أو تقديم شكوى لمسؤول المنطقة (عمار مخلوف مقدم في أمن الدولة من القرداحة) الذي يُعتبر عرَّاب الشبيحة، وتصبُّ في جيوبه الأموال المسلوبة.

منذ تسليم عناصر المعارضة للسلاح مُقابل ورقة التسويَّة (أيار 2018)، وقوَّات النظام تقوم بدوريات شبه يوميَّة في مختلف المناطق شمالي حمص (الرستن وتلبيسة والحولة) بحجة البحث عن "الأسلحة المخبأة" لدى الأهالي، حيث يطلب ضابط الدوريَّة من السكان أن يُسلِّموا سلاحًا من نوعٍ معيَّنٍ، وكميَّاتٍ من الذخائر، وإلَّا يتم اعتقالهم، أو تخييرهم دفع مبلغ من المال مُقابل "غض الطَّرف، وعدم تبليغ القيادة".

يقول "أبو فارس" وهو أحد سكان مدينة الحولة لمجلة عين المدينة: تفاجأتُ بعنصر من الأمن العسكري التابع للنظام يطرق بابي، ومعه عدد من العناصر داخل السيَّارة قرب منزلي، وطلب منِّي أن أسلِّمهم بندقيةً نوع "كلاشنكوف" و2000 طلقة روسيَّة، بالإضافة لمسدس حربي نوع "ماكاروف"، وذلك بعد ورود اسمي في إحدى التقارير المُقدَّمة للفرع من مصدر معلومات (مُخبر) في المنطقة، وتفيد بأنَّي أملك هذه الكميَّة من الأسلحة، حسب زعمهم.

يضيف أبو فارس: أعطاني الضابط مهلة 24 ساعةً لإحضار الأسلحة والذخائر، وإلَّا سوف يتم اعتقالي، وترحيلي إلى فرع الأمن الجوِّي في حمص سيئ الصيت، وعرض عليَّ أن أدفع مبلغًا قدره 150 ألف ليرة سوريَّة مُقابل أن يشطب اسمي من التقرير المقدَّم "للقيادة"، وفي حال دفعت 100 ألف ليرة أخرى سيشطب اسمي من تقاريرٍ مستقبليَّةٍ حالَ وصولها مرة أخرى.

تكرَّرت حالة أبو فارس -الذي اضطرّ إلى بيع درَّاجته الناريَّة وخاتم زوجته، واستدان باقي المبلغ من الأصدقاء والمعارف- مع مئات السكان في المنطقة، وحصل خلالها شبيحة النظام على مبالغ ماليَّة كبيرة، فضلًا عن دفع مبالغ ماليَّة أخرى مُقابل تأجيل البعض منهم عن السحب للخدمة الاحتياطيَّة مدّة شهرين أو ثلاثة أشهر.

كل ذلك وسط عمليَّات دهم واعتقال مستمرَّة تقوم بها قوَّات الأسد بين الحين والآخر ضد شخصيات المصالحة، الذين كان لهم الدور الأبرز في إعادة سلطة النظام إلى المنطقة بموجب الاتفاق الذي رعته روسيا، وكان آخرها اعتقال المشايخ (عبد الرحمن الضحيك، وأحمد صويص، وياسين صويص "كسوم"، وجهاد لطوف)، الذين عملوا في المحاكم الشرعيَّة إبان سيطرة فصائل الثوار والجيش الحر على المنطقة، ومنهم بمهمات استشاريَّة لفصيل "جيش التوحيد" في مدينة تلبيسة الذي تحوَّل بموجب اتفاق مع النظام والروس إلى شرطة محليَّة مُهمتها الرئيسيَّة الحفاظ على الأمن، والإشراف على الطريق الدولي.

وفي غضون ذلك، يعيش الشبان في ريف حمص الشمالي حالةً عامةً من البطالة، وقلَّة فرص العمل، وأوضاع اقتصاديَّة مترديَّة بعد سيطرة قوَّات الأسد على المنطقة، مما دفع العديد منهم إلى الالتحاق بصفوف جيش النظام، والمليشيات المواليَّة له طعمًا بالعروض الماليَّة التي يُروِّج لها النظام، والرواتب السخية، بالإضافة لرغبتهم في "خدمة الوطن"، كما يعلنون في تلك الأجواء الرهيبة. وهو ما أكده لنا عمار المحمد من أبناء مدينة الحولة الذي خرج حديثًا من حمص إلى إدلب عن طريق التهريب، ودفع مبلغ 1500 دولار بعد تبليغه من قبل النظام بضرورة تسليم نفسه لشعبة التجنيد للالتحاق في صفوف الاحتياط.

وعلّل سبب الالتحاق بقوله: مع فقدان الأهالي لمساعدة المنظَّمات الإنسانيَّة التي كانت تُخفِّف أعباءَ السُّكان من خلال المشاريع الخدميَّة والإنسانيَّة التي كانت تُنفذِّها قبل تهجير معظم كوادرها إلى الشمال السوري، التحقت أعداد كبيرة من الشباب "وبشكل طوعي" في صفوف جيش النظام، وذلك "خوفًا من الاعتقال من جهة، وطمعًا بالحصول على الراتب الذي يُقدِّمه نظام الأسد للعناصر في الجيش من جهة أخرى".

وأوضح "المحمد" أنَّ فكرة عودة الشباب إلى الخدمة في صفوف جيش النظام أصبحت واقع لا مفر منه في ريف حمص الشمالي بعد سيطرته على المنطقة، وأصبحت القضيَّة مستساغة لدى قسم من الأهالي بعد أن كانت تُعتبر "جريمةً، وخيانةً بحقِّ الثورة خلال السنوات السابقة". وأضاف: أنَّ "البعض من الآباء -لا سيَّما الموظفين منهم في دوائر الدولة- يحضُّون أبناءهم على الالتحاق بالخدمة العسكريَّة بحجة أنهم سيخدمون في الجيش عاجلًا أم أجلًا، ولكي لا يتعرَّضوا للمضايقات في وظائفهم من قبل قوَّات الأمن التي باتت تعلم كلَّ كبيرةٍ وصغيرةٍ في المنطقة مع انتشار المخبرين بشكل غير مسبوق، وتجنيدهم من قبل النظام مُقابل مبالغ ماليَّة زهيدة".

]]>
من مصائر شيوخ المصالحة في جنوب دمشق .. صورتان للشيخ أحمد البقاعي المعفى من الخدمة الإلزامية والشيخ رائد الخضراوي الهارب إلى الشمال السوري http://ayn-almadina.com/details/4767/4767/ar 4767 date2019-03-23 02:48:16 ayn-almadina تأتي مسيرة "شيوخ المصالحات"، منذ بداية الثورة حتى المصير المأساوي لمناطقهم، لتسلط الضوء على علاقة كل من الدين والسياسة أحدهما بالآخر في سعي الشيوخ لتمثّل أدوار قيادية جعلتهم يظهرون كعملاء للنظام أو كمراهقين خرْق في الحد الأدنى. أحمد الب...
من مصائر شيوخ المصالحة في جنوب دمشق .. صورتان للشيخ أحمد البقاعي المعفى من الخدمة الإلزامية والشيخ رائد الخضراوي الهارب إلى الشمال السوري

من مصائر شيوخ المصالحة في جنوب دمشق .. صورتان للشيخ أحمد البقاعي المعفى من الخدمة الإلزامية والشيخ رائد الخضراوي الهارب إلى الشمال السوري

رادار المدينة

تأتي مسيرة "شيوخ المصالحات"، منذ بداية الثورة حتى المصير المأساوي لمناطقهم، لتسلط الضوء على علاقة كل من الدين والسياسة أحدهما بالآخر في سعي الشيوخ لتمثّل أدوار قيادية جعلتهم يظهرون كعملاء للنظام أو كمراهقين خرْق في الحد الأدنى.

أحمد البقاعي

لم تحل حداثة سن الشيخ أحمد البقاعي "أبو ربيع" في بداية الثورة (مولود 1986) في بلدة يلدا البالغ عدد سكانها حينها قرابة 150 ألفاً، دون أن يترك أثراً طيباً في مساعدة العائلات النازحة من حمص برفقة والده الذي سقط شهيداً في معتقلات النظام على خلفية ذلك، كما كان له حضور كخطيب وإمام لمسجد أبو بكر الصديق في التشجيع على الثورة؛ حينها لم يغادر السيف يده في خطبه المجلجلة ضد النظام. شارك كذلك في معارك صد اقتحام يلدا في آب 2012 برفقة إخوته الذين سقط أحدهم شهيداً فيها، وساهم في تشكيل المحكمة الشرعية العامة متسلحاً بدراسته في معهد الفتح الإسلامي بعد الإعدادية.

لم يكن الشيخ أبو ربيع أول الخارجين لمفاوضة النظام في الأيام الأولى من العام 2014 أثناء الحصار، فقد سبقه لذلك "عمر أبو حميد" المعروف بتبعيته المطلقة للنظام، وقد استبدل ب"أبو عصام وعلي خليفة أبو صطيف" اللذين عادا حاملين بوادر المواد الإغاثية من طريق "علي الوحش" الفاصل بين يلدا وحجيرة المسيطر عليها من قبل الميليشيات الشيعية، لكن تبين أن الأمر فخ قامت الميليشيات الطائفية بعده باعتقال 1500 شخص جلهم من النساء والأطفال خرجوا من ذات الطريق بتاريخ 2014-1-5 ولا يزال مصيرهم مجهولاً.

وبسبب ضعف المفاوضين أمام النظام من جهة، وتكتم الشيخ صالح الخطيب على نتائج المفاوضات من جهة أخرى، تم إجبار أبو ربيع على الخروج للاجتماعات مع النظام حول "مشروع المصالحة". وبحجة الحفاظ على الضروريات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) أصبحت رؤيا الشيخ واضحة "نحن عسكرياً غير قادرين على مجابهة النظام وداعش -المتمدد حديثاً آنذاك-، وغير قادرين على تأمين قوت يوم أطفالنا، فلا بد من مخرج، ولا بأس بأن نماطل النظام في مفاوضات لا جدوى منها أساساً، والحفاظ على سنية المنطقة أمام التمدد الشيعي وعدم إفراغ المنطقة من شبابها للدفاع عنها". ولم تكن تلك إلا البداية.

وأمام تسهيلات النظام لعبور الراغبين من المناطق الثائرة إلى دمشق وعدم التعرض لهم، ومع قلة خبرة أبو ربيع في المفاوضات كان الانتقال من المماطلة إلى تبني فكر المصالحة و"الحل السوري السوري" قد ظهر في نبرة خطاباته أيام الجمعة، التي تخلى فيها عن السيف واختصت بمسار المفاوضات وما سيقدمه النظام وما يجب تقديمه، وكان أبو ربيع ممن سعى لتسليم 200 قطعة سلاح منتصف عام 2017 (الصفقة التي بقيت سراً). ومع تعالي صيحات نشطاء جنوب دمشق ضد عرابي المصالحة عموماً وضد تسليم السلاح خصوصاً، مع صمت الفصائل العسكرية، ألّب الشيوخ الحاضنة الشعبية للضغط على الفصائل لتقديم تنازلات أكبر.

بعد سيطرة داعش على مخيم اليرموك نيسان 2015، والتغير الذي أصاب أبو ربيع وشيوخ المصالحة بداية من دفع "دية" أحد عناصر النظام الذين قتلوا بطلقة قناص الجيش الحر وصلت إلى عشرة ملايين ليرة سورية، و بدعوى من النظام، طالب الشيوخ بلدات جنوب دمشق (يلدا وببيلا وبيت سحم) تشكيل لجنة مركزية مختصة في مناقشة مسار المفاوضات وإبعاد كل الكيانات الثورية من مجالس محلية وهيئات وتجمعات عن تلك اللجنة. يقول أحد المقربين من اللجنة في يلدا "كل الأعضاء الستين جاوزت أعمارهم الستين! وليس بينهم من يحمل فكر الثورة، ويعتبرون (كبارية العائلات) في يلدا" الأمر الذي سهل مهمة أبو ربيع في تمرير قرارات النظام أمام عجز الفصائل، ومن أكثر المواقف طرافة أن يعترض أحد أعضاء اللجنة على نوع العلف الذي أدخله النظام للأبقار بحجة أن (البقرات ما حبو العلفات).

باتفاقية تهجير حي القدم آذار 2018، وعلى وقع المعركة الشرسة التي خاضتها داعش ضد النظام هناك، أصدر الأخير أوامره بطمأنة البلدات أنها خارج تلك المعركة، وطلب منهم تسليمه جبهاتهم مع التنظيم، وهكذا دخلت دبابات النظام جنوب دمشق قبل أن يغادر الثوار الذين لم يكن لهم حول أمام تجييش المشايخ ضدهم، لتنطلق بهم بعد أيام الحافلات إلى الشمال السوري مع سعي الشيخ أبو ربيع إلى منع الشباب من الخروج بحجة وعود النظام بأمانهم على أنفسهم، وهكذا بقيت النسبة العظمى من أبناء بلدة يلدا برفقة البقاعي وأخويه (أبو عمر فرن قائد لواء عبدالله بن مسعود وأبو بلال العنصر في اللواء).

بعد إتمام عملية التهجير أيار 2018، اعتقل النظام العشرات أمام أنظار الشيوخ. وأمام بداية التمدد الشيعي في البلدات حاول الشيخ الفرار إلى الأمام، ملقياً نفسه وأبناء بلدته في أحضان الحزب السوري القومي الاجتماعي ومسؤوله رامي سلوم؛ ما دفع أبناء يلدا للهرب من الميليشيات الشيعية إلى ميليشيات "الزوبعة" التابعة للحزب بعد أقل من شهر من إتمام عملية المصالحة وتسوية الأوضاع، حيث سقط العشرات منهم في القلمون في مواجهة داعش.

لكن يبقى أن أعظم ما استطاع الشيخ أبو ربيع الحصول عليه من كل تلك الخدمات للنظام هو عدم سوقه إلى الخدمة الإلزامية التي ورد اسمه ضمن قوائمها التي تضم الآلاف من أبناء البلدات الثلاث.

 

 

رائد الخضراوي

التحق رائد المولود 1975 بمعهد الفتح الخاضع لسلطة المشيخة الصوفية المقبولة من النظام بعد الثانوية العامة، وتخرج منه خطيباً وإماماً لمسجد الصابرين في بلدته. ومع انطلاقة الثورة واتساع رقعة انتشارها كان رائد حاضراً بفتاويه التي حظ فيها الشباب على الانشقاق من صفوف جيش الأسد سراً بداية الأمر، ثم علا صوت خطاباته الرنانة ضد "النظام الفاجر" مع سيطرة الجيش الحر على جنوب دمشق منتصف عام 2012، وشارك في تأسيس المحكمة الشرعية العامة ولاحقاً السجل المدني، الأمر الذي رفع من رصيده كواجهة لأبناء بلدته ومتحدثاً باسمهم.

مع حصار الجوع الذي راح ضحيته أكثر من (180) شهيداً جنوب دمشق، كانت النقلة النوعية في مسيرة الشيخ الثورية انطلاقاً من "فقه الواقع للحفاظ على أرواح قرابة (200) ألف محاصر" كما أعلن وقتها، لتبدأ دعواته للتصالح مع النظام تنطلق، ثم يصبح أحد العرابين فيها برفقة الشيوخ "أنس الطويل وصالح الخطيب وأحمد البقاعي"، وقد انتقل من قتال "النظام الفاجر" إلى التصالح والتسامح مع "النظام السوري" ببساطة.

كان لابد في تلك الفترة من السيطرة على القوة العسكرية للجيش الحر ومنع اعتراضها على المصالحة والتسوية من خلال تأليب الحاضنة الشعبية ضدها، بالتناغم مع إغلاق المعبر من جهة النظام كلما أراد زيادة سقف مطالبه، تاركاً مهمة إثارة الناس ضد الفصائل لشيوخ المصالحة.

ومع تمدد "داعش" وسيطرته على عدة مناطق هناك أهمها مخيم اليرموك والحجر الأسود، وإعلانه القتال ضد فصائل الجيش الحر، وجد الشيخ رائد الفرصة مناسبة لزيادة صلته بالنظام والانتقال من دعوات قتاله إلى التجييش لقتال داعش و"ربيبتها الصغرى (النصرة)" كما يسميها؛ اضطره ذلك إلى مناصبة العداء لتجمع "لمّ الشمل" الداعي إلى إيقاف الاقتتال الداخلي والحفاظ على الشباب "كرأس مال المنطقة في وجه النظام"، وكثيراً ما تم إغلاق معبر العروبة (الفاصل بين مناطق المصالحة ومخيم اليرموك تحت سيطرة داعش) بأمر من النظام وتنفيذ رائد وشيوخ المصالحات، ليعود في الأيام الأخيرة قبيل التهجير -على وقع سقوط عشرات الشهداء من أبناء يلدا على يد داعش- إلى الموافقة على مقترحات أعضاء "لمّ الشمل" لإيقاف الاقتتال.

وفي وقت كان يُعدّ فيه المسيطر على "المعبر" مسيطراً على القرار العسكري والمدني، كان جنوب دمشق يراقب الصراع الدائر للسيطرة على المعبر الإغاثي الوحيد الذي أطلق عليه محلياً "معبر رفح الثاني"، وضمّ الصراع حينها شيوخ المصالحة ودعاتها للسيطرة على مقدرات المعبر وإيراداته المادية؛ فنجح رائد بإزاحة صالح الخطيب عن واجهة المصالحة في فترة من الفترات ليحل مكانه في اجتماعات الشيوخ بالأفرع الأمنية.

اتسمت تلك الفترة بغلاء الأسعار بشكل جنوني، وتزامنت مع تحركات الخضراوي لمنع أي شكل من مظاهر الثورة في مناطق المصالحة، وتجلى ذلك من خلال منع النشطاء من إقامة فعاليات يوم الغضب السوري وتحت تهديد سلاح "تجمع مجاهدي يلدا"، وإجبارهم على توقيع تعهد بعدم تحريض الناس على التظاهر: "أنا معكم مع الثورة بس ما بدي النظام يغضب علينا" كانت كلماته للناشطين عقب إجبارهم على توقيع التعهد، ثم محاولة منع رفع علم الثورة في تلك البلدات مراراً، لكن الغريب في الأمر -وبحسب مصادر مقربة منه- أنه "لم يكن مستفيداً مادياً من المصالحة مع النظام بالمطلق".

لم تغب عن أذهان كل من سمع بهرب الخضراوي إلى عفرين عبارته "يا حرام يلي بدهم يطلعوا حيعيشوا بخيم ويتشردوا ويتشنططوا"، حين كان يحاول إقناع أبناء بلدته للبقاء تحت سلطة النظام وتسوية أوضاعهم، وحجته "عدم إفراغ المنطقة من المكون السني لصالح الشيعة"، إضافة للاستمرار في قتال داعش في اليرموك؛ لم تتغير نوعية خطبه كثيراً بعد سيطرة النظام على بلدات جنوب دمشق، فبقيت ضد داعش و النصرة كما كانت، الأمر الذي استغله صهره حسان سعد "أبو نبيل" وصديقه قصي المصري "أبو غياث" لتجنيد أبناء يلدا في صفوف ميليشيا الحزب القومي السوري "قوات الزوبعة" التي سقط العشرات من عناصرها من أبناء يلدا قتلى في القلمون ضد داعش.

لربما كان عزله من قبل النظام عن خطابة مسجد الصابرين سبباً دعاه لاتخاذ قرار دفع مبلغ (3000) دولار للهرب من مناطق النظام إلى مناطق رفقاء السلاح الأول محاولاً "تصحيح أخطائه" عملاً "بفقه الواقع" الذي جعله شماعة لغبائه أو مهامه السرية؟، لكنه تفاجأ بردة فعل غاضبة من مهجري جنوب دمشق، الذين لم يكن لديهم القدرة على حسن الظن فيه إلا ما ندر، ما اضطره للاختفاء عن الأعين، ثم التسلل إلى تركيا كما تقول أخبار.

]]>