البنية العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية في "ولاية الخير" في الهيكلية والعدد والفعالية القتالية والتسليح

لأوقاتٍ كثيرةٍ، كان الغموض في بنية داعش أحد الوسائل المتعمّدة لإشاعة أكبر قدرٍ من الرهبة في أنفس الخصوم وتحقيق المزيد من الجاذبية والدعاية، فضلاً عن المبرّرات الأمنية المعلنة والمعروفة. وفي هذا التقرير، تحاول "عين المدينة" أن تكشف شيئاً من البنية العسكرية لكيان "الدولة الإسلامية" في ما يسمّى بـ"ولاية الخير".

ابتداءً من شهر تموز من العام 2014، أحكم التنظيم سيطرته على محافظة دير الزور، بعد صراعٍ دامٍ مع جبهة النصرة وتشكيلاتٍ مقاتلةٍ محليةٍ أخرى من الجيش الحرّ. وإثر ذلك، وبالتوازي مع إعلانها قيام "دولة الخلافة"، عملت داعش على إعادة تشكيل المحافظة وناسها ومقاتليها في بنيةٍ جديدةٍ على أساس تحوّلهم إلى جزءٍ من "دولةٍ" ضمّت إلى دير الزور أجزاء من محافظة الرقة تحت اسم "ولاية الخير"، كما اقتطعت منها أجزاء ضمّتها إلى أراضٍ عراقيةٍ فيما أسمته "ولاية الفرات".

وقد خيّرت داعش كتائب وألوية الجيش الحرّ التي التزمت الحياد تجاه الصراع السابق بين الرباط على جبهات القتال، ككتائب مناصرةٍ وخاضعةٍ لقيادة التنظيم، وبين تسليم السلاح. ثم، وخلال الأشهر اللاحقة، ضيّق التنظيم على هذه الكتائب دافعاً إياها إلى حالةٍ من التحلل التدريجيّ انتهى أخيراً -قبل شهرٍ من الآن- إلى التخيير بين الانتماء إلى التنظيم بشكلٍ نهائيٍّ وكاملٍ أو تسليم السلاح، فقرّر بعض المقاتلين الانصراف إلى شؤونه الخاصّة، فيما لم يجد البعض الآخر فرصةً للعيش إلا بالانتماء إلى التنظيم. وقد تكون الرغبة في الاستفادة من خبرات مقاتلي "الحرّ" في فهم المعطيات الميدانية لكلّ قطاعٍ من قطاعات الجبهة الواسعة، والمعقدة في بعض أجزائها، هي السبب وراء تمهّل داعش في حلّ هذه الكتائب، أو بسبب انتظار اكتمال بناء جهازها العسكريّ في "ولاية الخير" (معظم محافظة دير الزور) وفق الملاك العدديّ الذي يتيح لها الاستغناء عن خدمات تلك الكتائب.

الهيكلية والقيادة

تتألف القوّات العسكرية لتنظيم الدولة، العاملة في "ولاية الخير"، من أربع فرقٍ مقاتلةٍ. وتتألف كلّ فرقةٍ من كتيبتين. وكلّ كتيبةٍ من أربع فصائل. وتتألف الفصيلة الواحدة من ثلاث مجموعاتٍ. ويعدّ الوالي القائدَ الأعلى للقوّات في الولاية، فيما يعدّ الأمير العسكريّ قائداً ميدانياً لها. ويتوقف مقدار السلطة والنفوذ والتأثير لكلٍّ من الوالي والأمير العسكريّ على قوّة العلاقة والاحترام الذي يحظى به الواحد منهما لدى السلطات المركزية (انظر الملف الخاصّ عن البنية الإدارية لداعش، المنشور في العدد 46 من "عين المدينة").
تتبع لكلّ فرقةٍ سريةٌ مختصّةٌ بالذخيرة والتسليح، وسرية مؤازرةٍ احتياطيةٌ تساند الوحدات المقاتلة عند الحاجة، إضافةً إلى مكتبٍ إداريٍّ يحفظ السجلات والبيانات الخاصّة بالأفراد المسجّلين في قوائم هذه الفرقة. وتتبع لكلّ كتيبةٍ سرية مدرّعاتٍ من دباباتٍ وعربات شيلكا وعربات (ب م ب)، وسرية مدفع و"هاون"، وسرية الدفاع الجويّ أو مضادات الطيران، وسرية نقل. وتتبع للكتيبة أيضاً مجموعةٌ خاصّةٌ بالتفخيخ، ومجموعة إسعافٍ تعمل انطلاقاً من الخطوط الخلفية.

السلاح والذخيرة والخدمات اللوجستية

معظم أنواع السلاح والذخيرة التي استعملها التنظيم خلال معاركه في "ولاية الخير" روسية الصنع، حصل عليها بطرقٍ مختلفةٍ كان أبرزها استيلاؤه على أسلحة كتائب الجيش الحرّ والتشكيلات المسلحة الأخرى، أثناء وبعد مواجهاته العنيفة معها للسيطرة على محافظة دير الزور، إضافةً إلى ما خصّص لقوّاته هنا من الغنائم التي حصل عليها بعد انتصاراته الكبيرة على قوّات الأسد في محافظتي الرقة والحسكة صيف العام الفائت. وباستثناء عربات الهمر والهمفي وبعض القناصات والأسلحة الفردية، لم يلحظ أيّ سلاحٍ من غنائم التنظيم في العراق بعد الهزائم التي ألحقها بوحدات الجيش العراقيّ في الموصل وغيرها.
ولا يعاني التنظيم من مشكلاتٍ في تأمين ذخائر الأسلحة الفردية والأسلحة الرشاشة (بي كي سي)، وكذلك ذخيرة الرشاشات المضادة للطيران بعياراتها المختلفة، فيما تبرز -ومنذ عدّة أشهرٍ- حالات نقصٍ في قذائف الدبابات والصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع، وخاصةً منها صواريخ الكونكورس التي يستعملها التنظيم على نطاقٍ واسعٍ نظراً لامتلاكه عشرات قواعد الإطلاق الخاصّة بها. كما برزت مشكلةٌ أخرى تتمثل في تأمين قطع الغيار اللازمة لأعمال الصيانة، وكان لهذه المشكلة دورٌ كبيرٌ في تراجع فعالية هذا النوع من السلاح.
وسوى استخدام قبضات الاتصال اللاسلكيّ الرقمية، وتوزيعها بشكلٍ جيدٍ ومتناسبٍ في مناطق انتشاره وسيطرته، لم يبدِ التنظيم اهتماماً خاصّاً بجهاز الإشارة ونظم الاتصال. وبحسب يوميات الاشتباك والمعارك شبه المستمرّة مع قوّات الأسد، لا يبدو أن النظام حقق نجاحاتٍ كبيرةً في عمليات التنصّت. وفي خدمات التموين والإطعام يقدّم التنظيم مبالغ إضافيةً لعناصره كبدل طعامٍ، ويترك لهم تعيين واحدٍ من بين كلّ مجموعةٍ أو فصيلةٍ يتولى هذا الشأن وفق رغباتهم. ولم تظهر كذلك ورشات خياطةٍ مركزيةٌ توزّع اللباس على المقاتلين، إنما يستطيع أيّ مقاتلٍ اختيار ما يرغب فيه من اللباس في فضاء الزيّ الخاصّ بالتنظيم. ويتلقى كلّ مقاتلٍ -من المهاجرين والأنصار- راتباً شهرياً يعادل 100 دولارٍ أمريكيٍّ وسطياً للعزّاب. وتعطى للراغبين في الزواج منهم منحةٌ ماليةٌ قد تصل إلى 1000 دولارٍ لتأمين السكن وتأثيثه. ويضاف إلى الراتب مبلغ 50 دولاراً عن الزوجة، و50 دولاراً أخرى عن كلّ طفل. وقد يتلقى المقاتل مكافآتٍ ماليةً بحسب ما يقدّر القائد أثناء المعارك. ويلقى مقاتلو داعش وعائلاتهم معاملةً تفضيليةً في الرعاية الصحيّة المجانيّة في المعاينة والدواء، ويحصلون على حصصٍ غذائيةٍ إغاثيةٍ شبه دوريةٍ، وإمدادٍ مستمرٍّ لوقود التدفئة والغاز المنزليّ بالحدّ الأدنى من الأسعار.

العدد والقدرة على التعويض

يمكن الوصول إلى عددٍ تقديريٍّ للمقاتلين المتفرّغين بشكلٍ دائمٍ في الجسم العسكريّ للتنظيم من خلال حساب عدد المجموعات والوحدات العادية والخاصّة التي تتبع لكلّ فرقةٍ من الفرق الأربع في "ولاية الخير". ووفق الهيكلية المعروضة أعلاه، يبلغ عدد المجموعات العادية 96 مجموعةً، لا يزيد عدد أفراد الواحدة منها على 20 مقاتلاً، يضاف إليهم عدد أفراد سرايا كلٍّ من المدرّعات (الدبابات وبي م بي والشيلكا) والمدفعية بأنواعها المختلفة، والرشاشات المضادّة للطائرات، وسرايا النقل، والسرايا الاحتياطية ومجموعات التفخيخ، لنكون أمام جيشٍ قوامه 3000-3500 مقاتلٍ، والعدد آخذٌ في الازدياد عبر المتخرّجين الجدد للدورات العسكرية المستمرّة بشكلٍ شبه دوريّ. وتتيح الطبيعة العسكرية للتنظيم حشد أضعاف هذا الرقم وقت الحاجة، إذ يعدّ كلّ منتمٍ لداعش مقاتلاً احتياطياً قد يُطلب منه، وفي أيّ وقتٍ، أن يترك وظيفته في أجهزة "الدولة الإسلامية" الأخرى ويلتحق بجهازها العسكريّ (يخضع جميع المنتسبين إلى التنظيم لدوراتٍ عسكريةٍ إثر انضمامهم). وتنجح آلة التنظيم الإعلامية والدعوية دوماً في جذب أعضاءٍ ومبايعين جدد، وخاصّةً من المراهقين والشبّان الصغار تحت سنّ العشرين، ليتخرّجوا، بعد شهرٍ من خضوعهم للتدريبات العسكرية والبدنية الشاقة في المعسكرات، يسبقه شهرٌ آخر من الإعداد العقائديّ، مقاتلين غير مؤهلين تأهيلاً كافياً لكنهم متحمسون ومستعدون بأغلبهم للموت.
خلال المعارك التي خاضتها قوّات "ولاية الخير" في مواجهة قوّات الأسد على جبهات المطار العسكريّ وجبهات مدينة دير الزور، وكذلك جبهة غربي المدينة وجبهة البانوراما واللواء (137)؛ منيت داعش بخسائر بشريةٍ فادحة في صفوف مقاتليها، وخاصّةً في هجومها الأوّل الكبير في كانون الأول من العام الفائت. وقد قدّرت خسائر هذا الهجوم والمعارك والاشتباكات اللاحقة بأكثر من 500 قتيلٍ وضعفهم من الجرحى. ولم تؤثر هذه الخسائر في الملاك العدديّ للوحدات المقاتلة، إذ تمكن التنظيم من ترميم الثغرات الناتجة عن فقدان هذا العدد الكبير من المقاتلين، ويمكن له أيضاً أن يعوّض أية خسائر عدديةٍ مشابهة. إلا أن المشكلة الأكبر التي يعاني منها التنظيم –في "ولاية الخير" على الأقلّ- هي خسارته لقادةٍ عسكريين ذوي خبرةٍ ما وعجزه عن تأهيل قادةٍ جدد بكفاءاتهم نفسها. وإلى جانب كلّ ما سبق من أعداد المقاتلين يمكن للأمير العسكريّ أن يطلب المساعدة من الولايات القريبة، كما حدث حين أمدّت "ولاية حلب" شقيقتها "ولاية الخير" بـ125 مقاتلاً أثناء ذلك الهجوم[1]. وباستثناء معركتي السيطرة على محافظة دير الزور صيف العام الماضي، ثم محاولة داعش الأولى لاستعادة الأجزاء التي تقدّمت إليها قوّات الأسد في الجزيرة النهرية المعروفة بـ"حويجة صكر" شمال المدينة خريف العام الفائت؛ لم يسجّل أيّ حضورٍ لقوّات النخبة المركزية لداعش، أو ما يعرف بـ"جيش الخلافة".

الكفاءة ومستوى الأداء

باستثناء السيطرة على أجزاء واسعةٍ من قرية الجفرة الملاصقة للمطار العسكريّ في الجهة الشمالية منه، وتحقيق بعض التقدّم في المدينة وعلى جبهات المطار الأخرى؛ لم تحقق داعش إنجازاتٍ عسكريةً واضحة. فقد فشل هجومها الكبير على المطار رغم التحشيد الواسع في العتاد والأفراد قبله. وكشفت بعض المعارك، أثناء وبعد هذا الهجوم، عن تخبّطٍ غير معهودٍ في صفوف داعش، وتبادل بعض القادة الميدانيين التهم بالمسؤولية عن الأخطاء، وخاصّةً منها بعض الحماقات المتهوّرة التي أودت بحياة مقاتلين، وكذلك الفشل في استثمار التقدّم الجزئيّ أو السيطرة المؤقتة على بعض النقاط والقطاعات الهامة على جبهات المطار العسكريّ.
إن الحرب التي تخوضها داعش في دير الزور، والأهداف العسكرية التي تخطّط لتحقيقها هناك، تتطلب علوم حربٍ ومهارات قيادةٍ وتكتيكٍ أعلى من تلك التي يتمتع بها قادة داعش الشبان أو الأكبر سناً، بل يحوزها فقط ضباطٌ محترفون من رتبٍ عليا ومتوسطةٍ في اختصاصات المشاة والمدرّعات والمدفعية والتسليح. وخلافاً لما يشاع عن استفادة داعش من خبرات ضباطٍ عراقيين من جيش صدّام حسين، لم يلحظ وجود أيٌّ من هؤلاء قبل وأثناء المعارك المرتبطة بالهجوم الأوّل الكبير، أو أثناء الهجوم الحاليّ الذي بدأ قبل أسبوعٍ، والذي يبدو -حتى الآن- أقلّ تهوّراً من سابقه وأكثر فاعليةً من جهة تحقيق مكتسباتٍ والحفاظ عليها، وكذلك في تفاديه الأفضل للغزارة النارية الهائلة التي تتفوّق بها قوّات الأسد على قوّات داعش، تفادياً يدلل عليه معدل الخسائر البشرية المنخفض في الهجوم الحالي بالمقارنة مع سابقه.
وخلال الأسابيع القادمة، من الوارد جداً أن تلحق داعش هزيمةً جزئيةً بقوّات الأسد في دير الزور، لكنها لن تكون حاسمةً إذا لم تدخل عناصر وأدواتٌ جديدةٌ في جانبي القيادة والتسليح، أو أن تتمكن من رفع وتيرة الاستنزاف في صفوف جيش النظام لأشهرٍ متواصلةٍ، وتستثمر التردّي العام في معنويات جنوده.
وإذا أهملنا النتائج المحتملة للهجوم الحاليّ، يمكن القول إن الأداء العسكريّ للتنظيم في دير الزور كان متعثراً ومخيباً لآمال الكثيرين، سواءً منهم المؤيدون له، أو أولئك الراغبون في التخلص من بربرية قوّات بشار الأسد بأيّ شكل. ويمكن تفسير هذا الفشل أو التعثر بالعوامل التالية:

  • قلة خبرة وكفاءة القادة، وخاصّةً منهم الأمير العسكريّ للتنظيم في "ولاية الخير" أبو الأثير العبسيّ، أو الحلبيّ وفق ما يعرف به في دير الزور –انظر التعريف الخاصّ به في نهاية التقرير- وما يتسم به من صفات الغرور والطيش والتهوّر، والذي يعدّه معظم المقاتلين المخضرمين السبب الأوّل في فشل الهجوم على المطار العسكريّ.
  • سلم أولويات داعش، والذي يعدّ معارك "ولاية الخير" أقلّ أهميةً من نظيراتها في "الولايات" الأخرى وخاصّة في العراق، مما حرم التنظيم في دير الزور من تدخلٍ محتملٍ لقوّات النخبة المتمثلة في "جيش الخلافة".
  • هجمات طائرات التحالف الغربيّ بقيادة الولايات المتحدة، والتي تضرب المقرّات ونقاط التمركز الخاصّة بالتنظيم، في خطوطه الخلفية[2]، بشكلٍ شبه يوميٍّ، وتعيق حركته وتحرمه، إلى حدٍّ كبيرٍ، من تحريك أرتالٍ ضخمةٍ واستقدام تعزيزاتٍ من العتاد الثقيل الذي تتطلبه عملياته العسكرية على الجبهات.
  • استخدام قوّات الأسد لسلاح الطيران بشكلٍ مكثفٍ وفعالٍ، وخاصّةً الأنواع الحديثة –بالنسبة إلى طائرات الأسد الأخرى- فقد كان لطائرات سوخوي 25 دورٌ كبيرٌ في تدمير العتاد وإزهاق الأرواح في صفوف القوّات المهاجمة.
  • افتقار قوّات "ولاية الخير" إلى أسلحةٍ فعالةٍ مضادّةٍ للدروع والتحصينات. وظهر ذلك جلياً في عجز مقاتلي التنظيم، في الأيام الأولى من الهجوم الكبير الأوّل على المطار، عن الحدّ من فاعلية دبابات النظام من طراز تي 72.
  • عدم وجود برنامج ترقياتٍ أو عقوباتٍ واضح، واعتماد ذلك على رأي ومزاج الأمير العسكريّ ذي الصلاحيات الواسعة، مما أدى إلى إفلات كثيرٍ من القادة العسكريين المخطئين من العقوبة، بل ترقيتهم إلى مناصب أعلى في بعض الأحيان[3].
  • ضعف التنسيق بين الفرق العسكرية الأربعة، إذ بدأ الهجوم أولاً في مدينة دير الزور قبل يومٍ من انطلاق العمليات على جبهات المطار العسكريّ، مما أتاح للنظام استيعاب الصدمة والاستنفار بالحدود القصوى آنذاك.
  • رغم قدرته على خلق وحداتٍ مندمجةٍ اندماجاً كاملاً، ظهرت توتراتٌ وحساسياتٌ تنافسيةٌ بين عناصر التنظيم، وخاصّةً في المراتب العليا؛ على أساسٍ جغرافيٍّ، وبين مهاجرين وأنصار، وبين أنصارٍ وأنصارٍ آخرين[4]، واندلعت شجاراتٌ كلاميةٌ تطوّر بعضها إلى التهديد باستخدام السلاح.

 نقاط القوّة والتميّز

رغم التضخم العدديّ لمقاتلي التنظيم في دير الزور، ودخول أعدادٍ كبيرةٍ من الانتهازيين والمنتفعين، ما زالت الصبغة العامة لمقاتلي داعش هي الإقدام والشجاعة الفائقة التي يمكن تفسيرها بالعقيدة القتالية التي تشيعها عمليات التعبئة المعنوية خلال الدورتين الشرعية والعسكرية وبعدهما، إذ تنجح هذه التعبئة في دفع المقاتلين -خاصّةً من الفئات العمرية الشابة- إلى الموت الذي يعتقد معظم المقاتلين أنه ليس مخيفاً ومؤلماً، فداءً للخلافة وطمعاً بالجنة. وتقابل هذه الروح في الطرف الآخر من قوّات الأسد عقيدةٌ أخرى تتمثل في الحرص على النجاة والدفاع عن النفس فقط في حالة معظم الجنود في الأوقات العصيبة، متخلين بذلك عن الأكاذيب التي طالما سمعوها وردّدوها من "فداء الوطن وقائده".
نقطةٌ تميّزٍ أخرى يتمتع بها تنظيم الدولة الإسلامية تتمثل في قدرته على إعداد انتحاريين –كانوا دوماً أكثر من العدد المطلوب- يقتحمون حصون العدوّ ويفجّرون عرباتهم المفخخة مزعزعين صفوفه. وغالباً ما كان لنجاح هذه العمليات في إلحاق أكبر صعقٍ ممكنٍ -مادياً ومعنوياً- بجنود الأسد، أو لفشلها في ذلك، دورٌ في تقرير نتيجة المعركة اللاحقة.
وتضاف إلى النقطتين السابقتين الطاعة العمياء التي يبديها مقاتلو التنظيم لرؤسائهم والتزامهم الشديد بالأوامر، بإلهامٍ من قيم الثبات والصمود والتضحية، مهما ساءت الظروف أثناء المعارك. ثباتٌ كان له بلا شك دورٌ كبيرٌ في إفشال كثيرٍ من الهجمات المعاكسة التي شنتها قوّات الأسد.

شخصياتٌ عسكريةٌ بارزة وفعالة حتى وقت قريب:

كما سبقت الإشارة في متن هذا التقرير، لا يُلحظ وجود كفاءاتٍ عسكريةٍ بين مسؤولي التنظيم في "ولاية الخير". بل تغلب على قادته العسكريين الخلفية المدنية، وحداثة العمر، والمزاج الدمويّ. ومن هنا يصعب إرجاع نجاحات داعش، هنا على الأقلّ، إلى ما يشيع عن وجود خبراتٍ وخططٍ متقنة، بقدر ما يعود إلى التفوّق العدديّ، وتفريق الخصوم والاستفراد بهم، وزرع المبايعين السريين، وصلابة غالب المقاتلين واستعدادهم للموت.

- أبو الأثير العبسي: عمرو العبسي. ولد عام 1979 لأسرةٍ من ريف إدلب، هاجرت إلى السعودية أثناء أحداث الثمانينات. كان طالباً في كلية الهندسة. اعتقل في سجن صيدنايا العسكريّ الشهير بين أعوام 2007-2011. خرج من السجن ليشارك في العمل العسكري، عضواً في ما عرف بـ"مجلس شورى المجاهدين" الذي كان أخوه فراس قد أسّسه. وقد كان لمقتل هذا الشقيق على يد كتيبةٍ من الجيش الحرّ أبلغ الأثر في تشدّد عمرو تجاه من تسمّيهم داعش "الصحوات"، ولا سيما أثناء توليه لإمارة حلب. عرفت عن أبي الأثير دمويته ورعونته وصولاً إلى درجةٍ ما من الاختلال النفسيّ. وقد تسبّبت أوامره الطائشة في مقتل العشرات من عناصر التنظيم.

- أبو دجانة الزر: أحمد محمد عبيد الدهام. من مواليد 1990. عمل قبل الثورة في متجرٍ للأدوات الصحية يملكه والده في بلدة البصيرة المجاورة لقريته الزر، إضافةً إلى عمله في محطة تصفية مياهٍ بعقدٍ مؤقت. كان من أوائل المنتسبين إلى جبهة النصرة في شتاء 2012، ثم انضمّ إلى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" فور إعلانها في ربيع 2013. كان له دورٌ بارزٌ في سيطرة داعش على محافظة دير الزور. يتمتع أبو دجانة بشجاعةٍ فائقةٍ ومزاجٍ عصبيٍّ وقسوةٍ مفرطة.

- أبو نسيبة الليبيّ: الاسم الحقيقيّ غير معروف. 25 عاماً تقريباً. قائدٌ سابقٌ في كتيبة البتار الليبية المنحلة. يتمتع بصفات الشجاعة والهدوء والتواضع. عمل على جبهات المطار العسكريّ.

- أبو أنس الشاميّ: الاسم الحقيقيّ غير معروف. 25 عاماً تقريباً. من أبناء ريف حلب، وأحد المقرّبين إلى الأمير العسكريّ أبو الأثير الذي عيّنه في منصب قائد فرقة. ويعدّ هذا أحد الأمثلة الشهيرة –في صفوف داعش- على فشل اختيارات الأمير العسكريّ، إذ لا يتمتع أبو أنس بأية خبرةٍ أو درايةٍ قتاليةٍ، إضافةً إلى صفاته الشخصية التي يرجعها بعض عارفيه إلى كونه ابن ضابطٍ كبيرٍ سابقٍ في جيش بشار الأسد، ويتصف بالصفات المعروفة لأبناء الضباط، فهو مغرورٌ ومتكبرٌ على من هم أدنى مرتبة منه.

- أبو الحارث بن لادن: أحمد السخني. 35 عاماً. من مدينة معدان في محافظة الرقة. كان من أوائل المنتمين إلى التنظيم. وتولى منصب إمارة مدينة معدان، قبل أن يتولى قيادة الجسم العسكري لداعش في ريف دير الزور الغربيّ، ثم انتقل إلى مناطق أخرى ليلقى حتفه قبل أيامٍ إثر إصابته في المعارك المندلعة حالياً.

- أبو العباس الخرَيْطة: في بداية الثلاثينات من العمر. يتحدّر من بلدة الخرَيْطة في ريف دير الزور. عمل في مناطق مختلفة قبل أن يتولى قيادة إحدى الفرق الأربع. يوصف بالجبن والتقيّد الحرفيّ برغبات الأمير العسكريّ.

يظهر الجدول التالي إحصاءً تقريبياً أعدّته مصادر خاصّة بـ"عين المدينة" حول السلاح الفعال لقوّات داعش في "ولاية الخير":

السلاح العدد ملاحظات
دبابات متنوعة الطراز (تي 55- تي 62- تي 72) 30 إضافةً إلى 15 دبابةً أخرى معطلة، يرجّح أنها ستستعمل للتفخيخ.
عربات ب م ب 25 إضافةً إلى 10 يُرجّح أنها ستستعمل للتفخيخ.
عربات شيلكا 20 الأنظمة الخاصة بالتصدي للطيران معطلة، وتستخدم الشيلكا كرشاشٍ أثناء الاشتباكات.
مدفعية ميدان عيار 130 مم 8  
مدفعية ميدان عيار 120 مم 10  
مدفع عيار 57 مم 20  
مدافع هاون بأنواع مختلفة من عيار (60-80-120) مم غير معروف  
رشاش مضاد طيران عيار 23 مم 50 يستخدم في الاشتباكات إضافةً إلى وظيفته الأساسية كمضادٍّ للطيران. مركّب في الغالب على سياراتٍ شاحنةٍ صغيرةٍ رباعية الدفع.
رشاش مضادّ طيران عيار 14.5 مم 80 يستخدم في الاشتباكات إضافةً إلى وظيفته الأساسية كمضادٍّ للطيران. مركّب في الغالب على سياراتٍ شاحنةٍ صغيرةٍ رباعية الدفع.
رشاش مضادّ طيران "دوشكا"عيار 12.7 مم 50 يستخدم في الاشتباكات إضافةً إلى وظيفته الأساسية كمضادٍّ للطيران.
صواريخ موجهة مضادّة للدروع (كونكورس) غير معروف  
قذائف آر بي جي 7 + آر بي جين29 الترادفي غير معروف تستعمل على نطاقٍ واسعٍ في المواجهات.

 

 

حواشي:

1 - تمكن معظم أفراد هذه المجموعة من تفريغ أنفسهم في وظائف هامشيةٍ بعيداً عن خطوط النار، مستفيدين من معارفهم السابقين في الحاشية المحيطة بالأمير العسكريّ.

2 - استثنت طائرات التحالف نطاقاً جغرافياً محدّداً يحيط بجبهات القتال بين داعش والنظام، تراوحت مسافته القطرية بين (25 -35) كم غرباً وشرقاً انطلاقاً من مركز مدينة دير الزور.

3 - رُقّي أبو قتادة المصري (22 عاماً) من قائد مجموعةٍ إلى قائد كتيبة، بدل أن يعاقب إثر واقعة جبنٍ مؤكدةٍ تسببت في مقتل عددٍ من العناصر قرب البناء المعروف بـ"زنوبيا" في محيط المطار العسكريّ.

4 - يبدي بعض المهاجرين، وخاصة من المغرب العربيّ، وكذلك مجموعة "الحلبيين" شديدي التملق لأبي الأثير العبسي، سلوكاً فوقياً تجاه الأنصار، بشكلٍ لا يقبل به بعض عناصر داعش المخضرمين من أبناء دير الزور.