أبناء دير الزور
مدنيّون ليسوا دواعش

لم تفلح جميع الحملات والنداءات والبيانات التي أطلقها نشطاء وفعالياتٌ ثوريةٌ من دير الزور على مدى عامين، والتي أدانت ممارسات بعض فصائل الشمال في حلب وإدلب في حقّ أبناء المحافظة الهاربين من ظلم داعش ومن القصف الذي يتناوب عليه النظام والروس والتحالف الدولي، وكان آخرها إطلاق حملة وهاشتاغ #مدنيون_ليسوا_دواعش. فقد وثقت الشبكات الإعلامية العديد من حالات الاعتقال والتعذيب وسلب أموالٍ على الحواجز كما أكد الإعلامي أحمد رمضان أحد أعضاء الحملة، الذي لخص أهدافها بـ«تسليط الضوء على الانتهاكات التي تجري لأهالي الشرقية في الشمال بحجة الدعشنة، وإيصال صوتهم إلى قيادات تلك الفصائل، ومحاسبة كل شخصٍ قام بالتطاول على المدنيين».

احتجاز عائلاتٍ في شمال إدلب
وثق الناشطون احتجاز ثلاث عائلاتٍ بأكملها في ريف إدلب من قبل جيش الفتح في الشهرين السابقين، متهمين أربابها بالتعامل مع داعش والنظام. وتخوّف أقارب اثنين منها من الحديث، بينما طالب ذوو العائلة الثالثة بإطلاق سراح الأسرة المكونة من الزوج البالغ من العمر 36 عاماً والزوجة البالغة 25 عاماً وطفلهما ذي الثلاث سنوات. ويروي أحد أقارب الأسرة قصة اعتقالها التي بدأت باقتحام المنزل الذي يقيمون فيه من قبل عناصر جبهة النصرة (فتح الشام) يقودهم عضو هيئةٍ شرعيةٍ سابقٌ في مدينة دير الزور، إثر شكوى مقدّمةٍ من مهرّبٍ على الحدود التركية كان قد تشاجر مع الزوج نتيجة فشل عبورهم إلى الجانب التركي، فاتهم الزوج بعمله مع داعش في مدينة دير الزور. واستمر احتجاز الأم والطفل لمدة شهرٍ كامل، أنكرت خلالها جهة الاعتقال سجنهما، قبل إطلاق سراحهما والاحتفاظ بالزوج وبالمبلغ الماليّ والمقتنيات الذهبية التي كانت بحوزة الأسرة أثناء الاحتجاز.

معاملة حواجز الجبهة الشامية للمدنيين
يروي أبو مصعب من دير الزور -وهو مقاتلٌ في الشمال السوريّ- قصة المدنيين القادمين من الدير على أول الحواجز التي تلي المناطق المسيطر عليها من قبل تنظيم داعش: «يستقبلهم أحد عناصر الحاجز بالقول «كل شي من دير الزور يصفّ على جنب»، ويبدأ بتوجيه الشتائم للرجال متهماً إياهم بالدعشنة. وبعد التحقيق معهم يتم إطلاق سراح البعض، ويؤخذ البعض الآخر إلى حاجز المعصرة أو ما يعرف بالمؤسسة الأمنية (صيدنايا الشمال). ويتركون هناك أمام خيارين، إما افتداء أنفسهم بمبلغٍ من المال يحدّده السجانون، أو البقاء في السجن انتظاراً لمقابلة القاضي الذي لن يحضر».

مصطفى حميدان الشكير، من قرية الشعفة القريبة من مدينة البوكمال، قدم لزيارة أهله بعد غيابه لمدّة ست سنواتٍ في دولة الكويت، فأمسكت به حواجز الجبهة الشامية في 15 تشرين الثاني من العام الماضي، وتعرّض ذووه للابتزاز المادي، ليختفي بعدها أيّ ذكرٍ له، ولا يعلم أهله إن كان حياً الآن أو ميتاً.

وما يزال أخ المعتقل أنس علوان يطالب بإطلاق سراح أخيه المختفي منذ ما يقارب السنة وعشرة أشهر، والذي يؤكد وجوده في سجن «أبو علي سجو» من خلال التسريبات التي تأتيه من عناصر وسجناء سابقين هناك، بعد ظهور أنس في إصدار «مسلمون لا مجرمون» الذي نشرته الجبهة الشامية.

الدواعش طلقاء
بينما تمعن هذه الفصائل في الإساءة إلى المدنيين من أهالي دير الزور، يوثق ناشطون محليون إطلاق سراح بعض عناصر داعش المتورّطين في ارتكاب جرائم. فقد تم احتجاز المدعو «محمد رواد العليوي» الملقب «طحيبر»، أحد أكبر أمنيي التنظيم من العراق، من قبل عناصر حاجز الخربة القريب من مدينة الراعي، وذلك بعد تركه في مرّةٍ سابقة. وهو قريب «شاكر الوهيب» الذي أشرف على عملية حرق ثلاثة أشخاصٍ ضمن أقفاصٍ حديدية. وكذلك يذكر أبو مصعب الديري حادثة هروب الداعشي «عامر تراك النكلاوي» إلى ألمانيا عن طريق الفصائل ذاتها.

تكاليف رحلة الهروب من داعش
يروي أبو صالح -وهو مدنيٌّ من دير الزور- تفاصيل الرحلة الشاقة جداً، بعد أن باع سيارته وبعض أغراضه لتأمين تكلفة وصوله إلى تركيا، والتي يحتاج إلى القسم الأكبر منها لتهريبه خارج حدود الأراضي المسيطر عليها من قبل التنظيم، مستسلماً لجشع المهرّب وهو لا يملك أيّ خيارٍ آخر. وقد استغرق هذا الجزء من الرحلة مدة ثلاثة أيامٍ قطع خلالها، مع عائلته المكونة من ثلاثة أشخاصٍ، مسافة 20 كيلومتراً سيراً على الأقدام، ليصلوا إلى مدينة إعزاز ويقيموا في منزلٍ يدعى «فندق». يقول أبو صالح: «يكلف مبيت الشخص الواحد 9000 ليرة، وإذا بدنا نتحمم ندفع 500 ليرة. ضلينا أسبوع على هذا الحال، وبي ناس صارلهم أكثر من شهر».